بسم الله الرحمن الرحيم

(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) صدق الله العلي العظيم.

انطلاقًا من الآية المباركة نتحدث حول علاقة الفقه الإسلامي بالواقع العملي المعاصر، إذ أن هناك سؤالاً يُطْرَح كثيرًا، وهو: ما هي العلاقة بين الفقهِ الإسلامي والمسائل الحيوية المتجددة بالنسبة للإنسان؟

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

وهنا توجد ثلاثة اتجاهات بين علماء الإسلام في تحليل هذه العلاقة:

الاتجاه الأول: الفقه العقلاني.

الاتجاه الثاني: الفقه التوجيهي.

الاتجاه الثالث: الفقه المباشر.

1» الاتجاه الأول: الفقه العقلاني

الفقه العقلاني يرتكز على التفكيك بين حقل العبادات وحقل المعاملات، فمن أمثلة الحقل الأول: أحكام الصلاة والصيام والحج، ومن أمثلة الثاني: أحكام البنك والمعاملات التجارية، وهناك تفكيكٌ بين هذين الحقلين من حيث المرجعية والمصدر بحسب هذا الاتجاه.

بيان ذلك: أنَّ المرجع ومصدر الأحكام في حقل العبادات هو النص الشرعي المتمثل في الكتاب والسنة النبوية وأحاديث أهل البيت «صلوات الله وسلامه عليهم»، وأما العقل فلا سلطة له ولا مسرح في هذا المجال، فلا نرجع إليه كمصدر للحكم في مجال العبادات.

وأما بالنسبة للعبادات: فلا سلطة للنص فيها، بل يُتْرَك على جانب، ويُرْجَع إلى العقل، فإنه المصدر والمرجع في تحديد أحكام المعاملات المختلفة.

وقد راجت هذه النظرية كثيرًا، وأُلْقِيَت فيها المحاضرات، وعُقِدَت عليها الندوات المختلفة، في مصر وفي إيران وفي سوريا، وغيرها من البلدان، وقد طرح أصحاب هذه النظرية – لإثبات صحة التفكيك بين العبادات والمعاملات – وجهين، وهما:

الوجه الأول: إنَّ أسس أحكام العبادات تختلف عن أسس أحكام المعاملات

توضيح ذلك: الأحكام الشرعية قد شُرِّعَت على ضوء ملاكات وأسس معينة، ولكن أسس أحكام العبادات تختلف حقيقةً وسنخًا عن ملاكات وأسس أحكام المعاملات، فمثلاً: وجوب الصلاة من أحكام العبادات، وقد شُرِّع لا محالة بناءً على أساس وملاك، وهذا الملاك هو ما ذكرته الآية المباركة: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)، أي أن أساس وجوب الصلاة هو أساس روحي، والأسس الروحية أسس غيبية لا يدركها العقل، وعلى حد تعبيرهم: الملاكات الروحية ملاكات ميتافيزيقية، أي أنها ملاكات وراء المادة، ولذلك فإن العقل لا يدركها، ومن هنا نجد أن العقل لا يستطيع إدراك فلسفة وجوب الصلاة.

كذلك الحال في الصيام مثلاً، حيث يقول القرآن الكريم: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، وبما أن التقوى مسألة روحية، نجد العقل لا يستطيع إدراك فلسفة وجوب الصيام.

وبناءً على ذلك نقول: لا سلطة للعقل ولا مسرح له في أحكام العبادات، وإنما ينحصر المصدر والمرجع في أحكام العبادات في النص، فإنه الذي يكشف عن الملاكات الروحية والغيبية.

وأما ملاكات أحكام المعاملات فليست قضايا غيبية ولا روحية، فلو بُنِيَت هذه الأحكام على أسس غيبية وروحية لصح أن نقول بأن العقل ليس له مسرح فيها، ولكنها بُنِيَت على ملاكات عقلائية، أي أنها ملاكات ترتبط بالمصالح العامة للمجتمع العقلائي.

مثلاً: القرآن الكريم يقول: (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، فهل أحل الله البيع من أجل مسألة غيبية؟! من الواضح أن الجواب بالنفي؛ فإن أحكام المعاملات ليست مبنية على ملاكات غيبية وروحية كما هو حال أحكام العبادات، بل إن حلية البيع وحرمة الربا – وغيرهما من أحكام المعاملات – أحكامٌ مبنيةٌ على ملاكات عقلائية، فالبيع مثلاً معاملة منسجمة مع المصلحة العامة للمجتمع العقلائي، بينما الربا معاملة مصادمة للمصلحة العامة للمجتمع العقلائي، وهذا ما عبّرت عنه آية أخرى بقولها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «278» فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ)، أي أن العلة في حرمة الربا هي سد باب الظلم، وهذه ليست مسألة غيبية روحية، بل هي مسألة عقلائية.

والمحصّلة: أن أسس باب العبادات تختلف عن أسس باب المعاملات، فإن أسس باب العبادات أسس غيبية روحية لا ينالها العقل، ولذلك ليس العقل مرجعًا في أحكام العبادات، وإنما المرجع في هذه الأحكام نص القرآن والسنة، ولكن بما أن الأسس في أحكام المعاملات أسس عقلائية، والعقل قادر على إدراك هذه المصالح العقلائية العامة، لذلك العقل مرجعٌ ومصدرٌ للأحكام الشرعية في باب المعاملات، ولا سلطة للنص في هذه الأحكام.

ومن هنا فإن البعض يستخدم مصطلح تاريخية النص، ويعني بذلك أن النص الوارد في باب المعاملات يختص بزمن صدوره فقط، فمثلاً: لو صدر من الإمام المعصوم حكمٌ في معاملة من المعاملات، كما في الرواية الواردة مثلاً: ”أما فيما يكال ويُوزَن فلا تفاضل“، فحينئذٍ لا نأخذ بهذا النص؛ لأنه يختص بزمن المعصوم فقط.

والمقصود من هذا الحكم: أن الإنسان لا يجوز له أن يبيع كيلوًا من الرز الأمريكي مثلاً بكيلو ونصف من الرز الهندي، فالتفاضل وإن كان جائزًا في الأشياء المعدودة التي تباع بالعد، إلا أنه ليس جائزًا في الأشياء الموزونة، فيجوز للإنسان أن يبيع أربعين بطيخة من بطيخ مصر بخمس وأربعين بطيخة من بطيخ سوريا مثلاً، وذلك لأن البطيخ من الأشياء المعدودة لا الموزونة.

وكيفما كان، فإن هذا النص الوارد عن الإمام المعصوم نصٌ تاريخيٌ، أي أنه يُحْمَل على الحقبة الزمنية التي صدر فيها، فإنه يقرّر حكمًا شرعيًا يرتبط بالمصلحة العامة للمجتمع البشري في تلك الحقبة الزمنية، وليس نصًا عامًا لجميع الأزمنة والفترات والمجتمعات.

وخلاصة هذا الوجه: أن العقل لا سلطة له في أحكام العبادة، ولا سلطة للنص في أحكام المعاملات، وذلك لأن أحكام المعاملات بُنِيَت على المصالح العامة للمجتمع البشري، وهذه المصالح تتغير من زمن إلى زمن آخر، فلا يحكمها نصٌ، وإنما يحكم النص المصلحةَ في زمن معين، ولا يستطيع أن يقيس المصلحة في كل زمن، ولذلك فإن النصوص الشرعية الواردة في باب المعاملات تُحْمَل على تاريخية النص، أي أنها تحدد أحكامًا مرتبطةً بأزمنتها، لا أنها تحدد أحكامًا عامةً لجميع المجتمعات والفترات الزمنية.

الوجه الثاني: القرآن الكريم والسنة النبوية أعطت مساحةً كبيرةً للعقل، فلماذا ألغى الفقهاء العقلَ في مجال استنباط أحكام المعاملات؟!

عندما نرجع إلى القرآن نلاحظ مساحة كبيرة من آياته تركز على قيمة العقل كمرجع ومستند ومعتمد، كقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، وقوله: (فَبَشِّرْ عِبَادِ * (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ)، وقوله: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ).

وكما ركّز القرآن الكريم على العقل، كذلك ركّزت السنة النبوية عليه، فورد عن النبي الأعظم : ”أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبِل، فأقبَل، ثم قال له: أدبِر، فأدبَر، قال: بكَ أثيب وبكَ أعاقب“، فإذا كان العقل صاحب هذه الأهمية الكبرى في الكتاب والسنة فلماذا لا نعتمد عليه في استنباط أحكام المعاملات في الشريعة الإسلامية على ضوء ما يحدده العقل من المصالح العامة للمجتمع البشري؟!

لماذا نستند على العقل في العقيدة ولا نستند عليه في الأحكام الشرعية؟! بالعقل أدركنا وجود الله وأثبتنا نبوة النبي وإمامة الإمام، فإذا كان العقل مرجعًا ومركزًا في حقل العقيدة فلماذا لا يكون مركزًا في حقل الأحكام الشرعية المتعلقة بأحكام العبادات؟! وهل خطر الأحكام الشرعية أعظم من خطر القضايا العقائدية حتى يكون العقل مرجعًا في هذا الحقل دون ذلك الحقل؟!

2- الاتجاه الثاني: الاتجاه التوجيهي

وهو ما يسمّى – حسب تعبير الكتّاب المُحْدَثين – بالفقه التوجيهي، وهو نظرية مقابلة لنظرية الفقه العقلاني، وهو الفقه الذي يحاول أن يوفّق بين العقل والنص في حقل المعاملات، فلا يلغي سلطة النص ولا سلطة العقل، وعملية التوفيق ترتكز – كما يقول أصحاب هذه النظرية، وبعضهم من الفقهاء، لكنني لا أحبذ ذكر الأسماء حتى لا يحصل تنابز ولا تعريض – على أساسين:

الأساس الأول: أن الشريعة الإسلامية ليس دورها وضع الأحكام الجزئية والتفصيلية في باب المعاملات، فالشريعة لا تبيّن حكم المعاملة بالدينار الصاروخي مثلاً، ولا توضّح حكم استخدام بطاقة الفيزا، ولا تتعرض لحكم البيع والشراء من خلال شاشة الإنترنت، وذلك لأن الشريعة ليس دورها في باب المعاملات أن تتعرض للأحكام الجزئية التفصيلية التي تعرض على الإنسان يوميًا؛ لأن هذه المسائل الجزئية ترتبط بمصالح متغيرة.

مثلاً: هل يجوز استخدام الفيزا أم لا يجوز؟

هذه مسألة تجارية ترتبط بمصلحة السوق، فما هي المصلحة العامة للسوق في هذا الزمان؟! هذه مصالح آنية متغيرة، وليست مصالح ثابتةً، وبما أن الملاكات الاقتصادية متغيرة ليس دور الشريعة هو وضع أحكام جزئية لكل مسألة ولكل حكم تفصيلي مع إدراك المشرّع الحكيم أن هذه الأحكام مرتبطة بأحكام اقتصادية آنية متغيرة من جيل إلى جيل.

ولذلك فإن وظيفة الشريعة هي تحديد القواعد والأسس والمبادئ العامة، فمثلاً: القرآن الكريم يقول بأن الطبقية ممنوعة؛ (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ)، أي: حتى لا تتكرس الثروات لدى فئة من المجتمع، حتى لا يتحول المجتمع إلى طبقة رأسمالية مرهفة وطبقة عاملة كادحة، ولذلك القرآن وضع هذا المبدأ العام لمحاربة الطبقية في المجتمع.

مثال آخر: القرآن الكريم يحارب الظلم، كما في آية الربا: (فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون)، أي أن الظلم المادي حرام، فلو كان هناك شخص ثري صاحب أموال مكدّسة في البنك، وبدل أن يعمل ويبذل جهدًا جلس في بيته وأقرض زيدًا مئة ألف بمئة وعشرة، وعمرًا خمس مئة ألف بخمس مئة وخمسين، وبكرًا مليونًا بمليون ومئة ألف… وصار يكتسب أرباحًا من دون بذل جهد وعمل ولا أي طاقة بشرية، فحينئذٍ يكون هذا الإنسان ظالمًا؛ لأن كسب المال من دون بذل طاقة ولا جهد ظلمٌ ماديٌ، ولذلك الإسلام يحارب الربا بما هو ظلمٌ ماديٌ.

مثال ثالث: القرآن يقول: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى)، وهذا مبدأ ثالث، وهو مبدأ العدالة الاجتماعية.

فالإسلام لم يتدخل في التفاصيل، وإنما وضع مبادئ عامة، كنفي الطبقية، ونفي الظلم المادي، والدعوة إلى العدالة والإحسان الاجتماعي.

الأساس الثاني: إذا كان الإسلام قد وضع مبادئ عامة ولم يتعرض للتفاصيل فما هي وظيفة الفقيه في الحوزة؟!

يقولون: الفقيه يستنبط حكم المسألة الجزئية من النص لكن على أساس المبادئ العامة، وحتى تتضح الفكرة نذكر بعض الأمثلة الحيوية التي طرحها بعض الفقهاء الذين هم من أعلى مراجع الشيعة.

المثال الأول: لو أقرض شخصٌ شخصًا آخر مئة ألف ريال بمئة ألف وعشرة آلاف فهذا قرض ربوي محرّم، ولكن لو باعه مئة ألف ريال نقدية بثلاثين ألف دولار – على فرض أنها تعادل مئة ألف وعشرة آلاف – يستلمها بعد سنة فهذا جائز عند بعض الفقهاء، مع النتيجة واحدة والصياغة هي التي اختلفت فقط! فالسيد الأستاذ السيستاني مثلاً يقول بأن هذا بيعٌ وليس قرضًا، وذلك فهو حلال وليس حرامًا.

لكن بعض الفقهاء الآخرين – كالسيد الإمام في كتاب البيع – يقولون بأن هذا حرام، وذلك لأن المبدأ واحد، وبما أن الربا قد حُرِّم لأنه ظلمٌ ماديٌ، فإن ما كان ظلمًا ماديًا يبقى حرامًا وإن اختلفت صياغته.

وقد يقال: توجد نصوص شرعية تدل على حلية ذلك، فلو أتى شخصٌ – فرضًا – للإمام الصادق وسأله عن حكم بيع كليو رزًا بكيلو ونصف من الرز لقال بأنه حرام، ولكن لو سأله عن بيع كيلو من الرز مع كبريت مقابل كيلو ونصف من الرز لكان جائزًا، مع أن الكبريت لا يساوي – بحسب القيمة المالية – نصف كيلو من الرز، فاعترض الراوي على الإمام، وقال له: هذا الفرار! فقال الإمام : ”ونعم الفرار من الحرام إلى الحلال“.

يقول السيد الإمام في كتاب البيع: هذه الروايات لا أعمل بها، ولكنني أرد علمها إلى أهلها، وذلك لأن عندي مبدأ عامًا وضعته الشريعة، وهو أن الربا حُرِّم لأجل سد باب الظلم، وهذا المبدأ لا ينسد مع هذه الصياغات كلها، بل يبقى مفتوحًا، ولذلك التزامًا بالمبدأ العام نقول بأن هذه المعاملات والصياغات والحيل المختلفة كلها حرام.

مثال أوضح: لو رأى الإنسان شخصًا يمارس – والعياذ بالله – علاقة غير مشروعة مع فتاة أجنبية، حينئذ يجب عليه رفع هذا المنكر، وذلك بإبعاد الشاب عن الفتاة أو عن طريق نهيهما مثلاً، فهذا من رفع المنكر الواجب عند جميع الفقهاء، وإنما الكلام في دفع المنكر، أي: منعه قبل حصوله، لا إزالته بعد وقوعه.

مثلاً: لو رأى الإنسان شابًا متهيئًا لعقد علاقة غير مشروعة مع فتاة، والفتاة متهيئة أيضًا، هل يجب حينئذ دفع المنكر وسد الباب؟ بعض الفقهاء يقولون: لا يجب ذلك، إذ ما ورد في النصوص هو النهي عن المنكر، والنهي عن الشيء إنما يكون بعد وجوده، ولذلك فالدفع ليس واجبًا وإنما الواجب هو الرفع.

بعض الفقهاء يقولون: الإسلام إنما أوجب رفع المنكر من أجل سد باب الفساد، وهذا من المبادئ القرآنية العامة، كما قال تعالى: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)، ولذلك يجب دفع المنكر لأجل سد باب الفساد، فالمبدأ واحد في رفع المنكر ودفعه.

والمحصِّلة: أنَّ أصحاب الاتجاه التوفيقي – أو ما يسمى بالفقه التوجيهي – يقولون بأننا نرجع في مجال المعاملات إلى النص ونستنبط الحكم منه، ولكن بشرط أن يكون الحكم المستفاد من النص منسجمًا مع المبادئ العامة للشريعة، فلو استفدنا من النص حكمًا يخالف المبادئ العامة نطرح هذا النص ولا نعتمد عليه، وعلى ذلك فنحن لم نلغ دور النص؛ لأننا رجعنا إليه في مجال الاستنباط، كما لم نلغ دور العقل؛ لأن الحكم المستفاد من النص لا بد من أن يعرض على المبادئ العامة للشريعة، وبذلك نوفق بين دور العقل ودور النص في مجال أحكام المعاملات.

3» الاتجاه الثالث: الفقه المباشر

وهو الاتجاه المعروف والمشهور والشائع في الحوزات العلمية فعلاً، وهو أن النص مرجع في كل مسألة جزئية تمر على الإنسان بلا قيد أو شرط، وهنا توجد عدة أسس وعناصر توضّح هذا الاتجاه:

1/ الأساس الأول: ما يسمّى بحق الطاعة

هناك فرق بين المولوية الاعتبارية والمولوية الذاتية، فمثال الأولى: مولوية شيخ العشيرة، حيث أن هذه المولوية إنما وضعها المجتمع، وهذه المولوية لا تجب طاعتها عقلاً، وأما المولوية الذاتية فيجب طاعتها عقلاً، وهي مولوية الله «تبارك وتعالى»، فإنها مولوية ذاتية نابعة من كونه خالقًا ومنعمًا، وبعبارة أخرى: مقتضى مولوليته ومنعميته «تبارك وتعالى» أن العبد يجب عليه إطاعة مولاه في تمام الأحكام، فلا سلطة للعقل في هذا المجال؛ لأن الإنسان عبد بالعبودية الذاتية، وعنده مولى بالمولوية الذاتية، فيجب عليه أن يرجع في جميع تفاصيل حياته إلى أحكام مولاه، لا أن يرجع إلى العقل.

2/ الأساس الثاني: ورد في النصوص تقول بأن لله في كل واقعة حكمًا، أي أن الله لم يترك منطقة فراغ أبدًا حتى يقال بأن المساحة الفلانية مملوءة فنرجع فيها إلى النصوص، بينما المساحة الأخرى فارغة فنرجع فيها إلى العقل!

الإسلام ما ترك منطقة فراغ، بل ملأ جميع المناطق بأحكامه إما بنص عام أو بنص خاص، وهو ما ورد عن الصادق : ”إن لله في كل واقعة حكمًا“، وعنه : ”وعندنا الجامعة، فيها جميع ما يحتاجه الناس من حلال وحرام حتى أرش الخدش إلى يوم القيامة“، فالنصوص استوعبت تفاصيل الحياة وجزئياتها بأكملها، ولم تترك منطقة فراغ.

3/ الأساس الثالث: هل يصح الاعتماد على العقل في مجال استنباط الأحكام الشرعية، بحيث أن النص – كما قال أصحاب الاتجاه الأول – لا سلطة له، وإنما المعتمد في مجال المعاملات هو العقل، أو إنما يؤخذ بالنص الموافق – كما قال أصحاب الاتجاه الثاني – للمبادئ العامة التي اكتشفها العقل من الكتاب والسنة؟ هل العقل يمكن الاعتماد عليه في مجال استنباط الأحكام الشرعية ولو في باب المعاملات على الأقل أم لا؟

حتى نبلور هذه المسألة لا بد من الالتفات إلى أمرين:

الأمر الأول: أحكام العقل على قسمين: هناك أحكام بديهية فطرية يسلّم بها جميع العقلاء، والعقل مرجع وحجة فيها، وهناك أحكام نظرية قد يخطئ العقل فيها وقد يصيب، فلا نأخذ بالعقل فيها.

مثلاً: العقل يقول بأن الظلم حرام، وهذا حكم بديهي يسلّم به جميع العقلاء، وكذلك حكم العقل بوجوب الصدق، فإنه حكم عقلي فطري بديهي تسالم عليه جميع العقلاء، ولذلك هنا نعتمد على العقل حتى لو لم يقل الإسلام شيئًا.

ومن هنا نحن نعتمد على العقل في مجال العقيدة؛ لأن مدركاته في مجال العقيدة أحكام بديهية وفطرية وواضحة متى ما التفت العقل إليها آمن بها، فالعقل مثلاً يدرك بأن لكل معلول علةً، ولكل مسبَّب سببًا، ومن ذلك يستنتج بأن لهذا الكون علةً، وهي الخالق «تبارك وتعالى».

وأما الأحكام النظرية فلا نعتمد على العقل فيها؛ لأن العقل قد يخطئ وقد يصيب، ولذلك ما يصلح للإنسان وما لا يصلح له مسألة نظرية، من قبيل: هل الربا صالح للمجتمع البشري أم لا؟ هل البيع الغرري صالح للمجتمع أم لا؟ هل المعاملات البنكية بمختلف أشكالها صالحة للمجتمع البشري أم لا؟ هذه كلها مسائل نظرية وليست بديهية، فقد يخطئ فيها العقل وقد يصيب، ولذلك لا مسرح للعقل فيها، وهذا ما ورد في بعض الروايات القائلة: ”إن دين الله لا يصاب بالعقول“.

مثلاً: ورد في رواية أبان – وإن كانت بنظر سيدنا «قدس سره» ضعيفة السند – أن رجلاً قطع إصبعًا من أصابع المرأة، قال: عليه عشرٌ من الإبل، قال: قطع إصبعين من أصابع المرأة، قال: عليه عشرون من الإبل، قال: قطع ثلاثة من أصابع المرأة، قال: عليه ثلاثون، قال: قطع أربعة، قال: عليه عشرون، فتعجب أبان واستنكر، فقال الإمام: ”مهلاً يا أبان، أخذتني بالقياس، وإن السنة إذا قيست مُحِقَ الدين، وإن أول من قاس إبليس، إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النص“.

الأمر الثاني: هناك فرق – بحسب الاصطلاح الفقهي – بين الحكمة والعلة.

حتى يتضح الفرق بين علة الحكم وحكمته نضرب مثالاً: وجوب الصلاة له علة وله حكمة، والمقصود من العلة: السبب الذي من أجله شُرِّعَت الصلاة، وهي النهي عن الفحشاء والمنكر، كما قال تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)، ولكن الصلاة عملٌ رياضيٌ أيضًا، فهل هذه الحركة الرياضية هي علة الحكم؟! نقول: الشارع لم يوجب الصلاة لأنها عمل رياضي، وإنما هذه الحركة الرياضية فائدة من فوائد الحكم، فهي حكمةٌ وليست علةً.

وبناءً على ذلك نقول: عندما يقول قائلٌ بأن الإسلام حرّم الربا لأن الربا ظلمٌ، فكيف استطاع أن يقول بأن منع الظلم علة لحرمة الربا وليس حكمة من حِكَمِه؟! لو كان منع الظلم علةً لحرمة الربا لقسنا عليه، لكن لعله حكمة وليس علة، فمن أين يستطيع العقل أن يميّز بين العلل والحِكَم؟!

مثال آخر: إذا قطع الإنسان 44 كيلوًا على نحو المسافة الامتدادية أو على نحو المسافة التلفيقية وجب عليه أن يقصّر الصلاة، ويبرّر البعض ذلك بدفع المشقة، فيقولون بأن السفر مشقة، ولذلك أوجب الإسلام التقصير في السفر دفعًا للمشقة، والحال أن الكثير من الأسفار ليس فيها مشقة، بل هي مليئة بالأنس والراحة، فهل هذا يعني أن السفر إذا لم تكن فيه مشقة يجب فيه التمام؟!

نقول: دفع المشقة حكمة وليس علة، فإذا لم يكن العقل قادرًا وجازمًا في مجال التمييز بين الحكمة والعلة فكيف نقول – كما قال أصحاب الاتجاه الأول – بأن النص لا سلطة له في مجال العبادات وإنما السلطة للعقل، أو بأن هناك مبادئ عامةً – كما يقول أصحاب الاتجاه الثاني – يؤخذ بالنصوص الموافقة لها ويُطْرَح غيرُها؟! كيف نعرف أن هذه المبادئ العامة علة وليست حكمة؟!

والخلاصة: بما أن العقل بما أنه قاصرٌ عن التمييز بين العلة والحكمة، لا بد من الإذعان بالنظرية الثالثة، وهي الفقه المباشر المعتمد على النص في كل المسائل الجزئية، إلا إذا لم يوجد نص، فحينئذٍ نرجع إلى ما يحكم به العقل من الإباحة أو الحظر على خلاف بين الفقهاء، فالسيد الخوئي «قدس سره» مثلاً يقول: إذا لم يكن هناك نصٌ فإن العقل يحكم بالإباحة، بينما السيد الصدر «قدس سره» يقول: إذا لم يكن هناك نصٌ فإن العقل يحكم بالحظر والتوقف.

خلاصة البحث:

ما نستخلصه من جميع ما ذكرناه أن هذه الاتجاهات الثلاثة هي اتجاهات تهدف لصياغة الفقه بشكل ينسجم مع مواكبة الحضارة والتطور الاجتماعي، فالحوزة العلمية ليست غافلة عنك – أيها الإنسان – ولا عن مجتمعك ولا عن حضارتك، بل لا زالت هناك نظريات وأطروحات مختلفة لتحديد الفقه المنسجم مع عجلة الحضارة ومسيرة الإنسان.

وهذا ما كان عليه أهل بيت النبوة «صلوات الله وسلامه عليهم»، حيث كانوا حريصين على التفقه، وكانوا يبذلون أقصى طاقتهم وجهدهم ويصرفون أوقاتهم في سبيل تخريج شيعتهم وأصحابهم علماء متفقهين عارفين، فورد عن الإمام الصادق: ”وددتُ لو أن أصحابي ضُرِبُوا بالسياط حتى يتفقهوا في الدين“، وعنه : ”تفقهوا وإلا فأنتم أعراب“، وورد عن الإمام علي : ”التاجر فاجر حتى يتفقه في دينه“، وورد عن الرسول الأعظم : ”إذا أحب الله عبدًا فقّهه في الدين“.