ما هو التقليد؟ ولماذا نُقلّد؟

التقليد: هو رجوع غير المتخصص في المسائل النظرية التي يحتاج إليها في خياراته في الحياة إلى المتخصص في تلك المسائل.

وذلك حالة عقلائية يجري عليها الإنسان في جميع حوائجه في الحياة على اختلاف أنواعها، فهو إذا مرض يرجع إلى الطبيب، وإذا أراد أن يخطط للبناء رجع إلى المهندس، وإذا أراد أن يشخّص مدى خطورة البناء القائم رجع إلى البنّاء، وهكذا.

بل الحياة العامة للإنسان لا تخلو عن رجوعه فيما لا خبرة له إلى من يملك الخبرة فيه فالزوج قد يسأل زوجته عما هي أخبر به، والزوجة تسأل زوجها كذلك. وكل من الوالدين والأولاد والأصدقاء والزملاء يسألون بعضهم بعضاً فيما هم أخبر به ويعوّلون عليهم.

وتلك هي ضرورة الحياة في تكامل الناس بعضهم مع بعض في الخبرة والإيفاء بالحاجة، ولو أراد الناس  تحصيل الخبرة بشكل مباشر في كل ما يحتاجون إليه بحيث يستغنون عن التعويل على قول الآخرين لم تكف حياتهم لذلك، ولو كفت فهم قبل بلوغ ذلك يحتاجون إلى الاعتماد على قول الآخرين حتى يكتسبوا الخبرة اللازمة مع أنّ سعي الإنسان إلى اكتساب الخبرة في كل شيء يبدو عملاً غير عقلائي لأنّه يعطل جوانب ضرورية في حياته، فالجاري عند العقلاء كافة أنهم يكتسبون الخبرة في مجال ليستثمروه في العمل ويتكسبوا به للإيفاء بحوائجهم في الحياة، ويعولون في سائر المجالات على خبرة الاخرين.

وليس المجال الشرعي والفقهي بدعاً في هذا المجال فالمسائل الشرعية تنقسم إلى قسمين:

الأوّل: أمورٌ واضحة لا تحتاج إلى تقليد مثل أصول كثير من الأحكام كوجوب الصلاة والصوم والحج والزكاة والخمس وجملة من حدودها وتفاصيلها.

الثاني: أمور أخرى نظرية تحتاج إلى خبرة واطلاع من جهات، منها:

١- التوثق من صدور النص الذي لا يكون ثبوته واضحاً على حدّ ثبوت القرآن الكريم.

٢- دلالته عندما لا تكون صريحة وثابتة عبر الأزمان.

٣- كيفية التعامل مع النصوص التي قد تبدو متعارضة.

فإنّ من الواضح أنّ النصوص ليست كلها ثابتة ثبوتاً قطعياً وبديهياً، ولا كلّ دلالات النصوص الثابتة كذلك، ولو فرض أن جميع النصوص قطعية فلا أقل من إحراز هذا الأمر وهو قطعية هذه النصوص كلها ووضوح دلالتها يحتاج إلى ممارسة وخبرة واطلاع.

وأمّا وجوب التقليد على المكلف في شأن المسائل النظرية الفقهية فهو لعدة أمور:

١- إن رجوع غير المتخصص إلى المتخصص في مجال تخصصه مبدأ عقلائي معروف، ولم يأتِ عن الشارع ردع لأهل الدين عن هذا المبدأ واعتماد مبدأ آخر.

٢- إنّ اكتساب الخبرة الفقهية من قبل الناس جميعاً ومنذ بداية بلوغهم سن التكليف والرشد بحيث يبلغوا متخصصين لكيلا يحتاجون إلى الاستعانة بغيرهم أمر متعذّر بوضوح.

٣- إنّ سيرة شيعة أهل البيت (ع) كانت مستقرة على الرجوع إلى الفقهاء الذين يعيشون في بلدانهم في عصر الائمة (ع) مثل: زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم وأضرابهما بالنظر إلى بعد مواطن الأئمة (ع) عن أماكن سكنى الشيعة، وتعذّر وصول الشيعة إليهم من جهة إعاقة السلطة لذلك، فقد عاش جل أئمة أهل البيت (ع) بالمدينة المنورة، ثم مروا بخراسان، ثم بغداد، ثم سامراء، بينما كان أكثر الشيعة يسكنون بالكوفة، وفيهم من كانوا يسكنون في أماكن بعيدة أخرى.

٤- إن الأئمة (ع) أرجعوا في روايات كثيرة إلى فقهاءِ أصحابهم، وذكروا إرشادات للاستنباط الفقهي بشكل عام وفي حال تعارض الأخبار خاصة.

هذا، ولابد لكل مسلم أن يتحرى عن الأساس الصحيح الذي يصح الاعتماد عليه في موارد الشك ليكون حجة معذرة له غداً أمام الله سبحانه.

ولا مانع من أن يتبين المرء من الأمر عند طروّ الشبهة وإثارة الفتنة، لكن لا ينبغي أن يتّبع الشبهة من دون تحقق منها أو يتوقف عندها ولا يعالجها فيستقر على الشك والترديد، بل عليه الرجوع إلى أهل العلم والفضيلة حتى يوقفوه على الحجة الموثوقة ليكون مصداقاً للمتعلمين في الدين على سبيل نجاة.