فقهيات

عوَق فكري: من المسؤول عن زواج القاصرات؟!

أبو تراب مولاي 19-05-2020 558

لأجل أن يتّضح الحال في هذه المسألة التي استغل الحديثَ عنها بعضُ المعوّقين فكرياً، لا بدّ أن نتحدّثَ عن بعض الأُسس العامّة توطئةً لإدراك الحقيقة في هذه المسألة.

المبدأ الأساس للتشريعات

هل إنّ التشريعات - السماويّة أو الأرضيّة - حين تقنين الأحكام، تنظر إلى المصالح والمفاسد، أو إلى المنافع والمضار ؟!

و بعبارةٍ أُخرى

حينما يريد المشرّع أن يسنَّ حكماً أو قانوناً، فلا بدّ أنْ يضع نصبَ عينيه أساساً ليبني عليه تلك الأحكام ويجعله المدار لتشريعاته.

وعليه... فهل الأساس للتشريعات هو المصلحة والمفسدة ؟ فما كان فيه مصلحة يُجيزه، وإن كانَ فيه ضررٌ على الفرد (كالزكاة)، وما كان فيه مفسدة يُحرّمه، وإن كان فيه نفعٌ للفرد (كالربا).

أو أنّ الأساس هو النفع والضرر ؟ فما كان فيه منفعة... أجازه، وما كان فيه ضررٌ... حرّمهُ !!

والصحيح... إنّ الأساس في التشريعات والقوانين هو ملاحظة المصلحة، للحكم بالجواز (وإن كان هناك ضرر) و ملاحظة المفسدة للحكم بالتحريم (وإن كان هناك نفع).

لذلك أوجب الله تعالى الزكاة لما فيها من مصلحة المجتمع وإن كان فيها ضررٌ ظاهريٌ وهو نقصان المال.

وحرّم الربا لما فيه من المفسدة على المجتمع وإن كان فيه نفعُ زيادةِ المال.[1]

إذا اتضح ما تقدّم... سيتّضح معه أمرٌ آخر، وهو إنَّ الأحكام والقوانين جاءت لملاحظة مصلحة المجموع (المجتمع) لا لملاحظة مصلحة الجميع (كل فرد فرد)، إذ لا يمكن لأي قانون أن يراعي مصلحة كل فردٍ فرد، لا لقصور في المشرّع، بل لأنّ الطبائع والظروف للأفراد متفاوتة ومختلفة.

و من هنا، فإنّ الحكم بصحة عقد تزويج الصغيرة - مع ملاحظة الحرص الفطري للولي على ابنته، وتحكيم عقله - يكون بنظر الشرع بمصلحة النوع، وإنْ تضرّرت فلانة أو فلانة بسوء تصرّف الولي، أو لظرفها الخاص.

قصور العقل البشري عن إدراك المبادئ الحقيقية للأحكام الشرعية

وليكن معلوماً أنّ الأحكام الشرعية (الوجوب والحرمة والاستحباب.. الخ) لم تأتِ عبثاً، بل هي ناتجة عن عللٍ جعلت من الواجب واجباً ومن الحرام حراماً وهكذا.. وتسمّى هذه العلل ب (مبادئ الحكم).

والمبادئ الحقيقيّة للأحكام الشرعة غالباً ما تكون مجهولة لدى غير المعصوم، وما ورد في علل الشرائع لا يعدو كونه من حِكَم الأحكام لا علَلِها الحقيقيّة.

فنحن نجهل العلّة الحقيقية لكون عدد رمي الجمار في الحج سبع حصيات لا أكثر ولا أقل، ومع كون هذا الحكم بسيطاً في نظر البعض، فإننا نجهل علّته، فكيف بالأحكام الكبرى ؟!

والنتيجة، إنّ علل (مبادئ) الأحكام الشرعية التي على أساسها كان الواجب واجباً والحرام حراماً.. وهكذا.. مجهولة لدى المكلّفين.

وعليه..

فحين تجهل العلّة الحقيقية التي دعت الشرع إلى الحكم بجواز عقد الزواج من الصغيرة هذا لا يعني عدم حقّانيّة هذا الحكم، بل يعني قصور عقلك عن إدراك العلل.

الإباحة تقتضي إيكال تحديد مصلحة البنت لوليّها العاقل

لا يعني - أبداً - صحّة الزواج من الصغيرة إلزامَ الولي بأنْ يزوّج ابنته في هذه السّن، بل يعني أنّ الشرع قد أعطى للولي العاقل مساحةً واسعة من الحريّة يمكنه أنْ يفكّرَ في مصلحتها، فإن وجدَ من المصلحة عدم التزويج، فهذا شأنه ولم يكن معاتَباً من قِبَلِ الشارع.

وعليه.. فتكون الكرة في ملعب الولي العاقل في هذه الحالة.

ثم.. يشترط في صحّة التزويج من قِبَلِ الولي عدم المفسدة، فلو كانت هناك مفسدة بالنسبة للصغيرة فسوف يكون العقدُ فضولياً.. المنهاج ج٣ م٥٩ السيد السيستاني.

 مستند الفقهاء في الحكم بصحة زواج الصغيرة

لم يكن الفقهاء قد جاءوا بجواز زواج الصغيرة من وحي أفكارهم، بل هو حكمٌ قرآني وارد في كتاب الله العزيز، فإن القرآن حين بيّن عدّة الطلاق لأصناف النساء، ذكر عدّة الصغيرة التي لم يطرأ عليها الحيض بعدُ (واللائي لم يحضنَ) قال عزّ اسمه (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) الطلاق ٤ وهذا يعني صحّة زواجها، لذلك تسمّى مطلّقة عند الانفصال وعليها أن تعتدّ.

وهو حكم صادرُ عن أهل البيت (ع) أيضاً وقد تصل الروايات التي وردت في هذا الباب إلى حد التواتر، ومن ذلك ما ورد في الوسائل ج ٢٠ باب ٤٥ من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، فراجع.

ثبوت صدور الحكم من المعصوم يقتضي التسليم من المسلم

وبعد أن عرفنا من خلال ما تقدّم، كون الحكم بجواز الزواج من الصغيرة صادراً عن المعصوم، فقد وجب التسليم له عملاً بقوله تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء ٦٥

فمن يعترض على الأحكام الثابتة عن المعصوم بنصوص ثابتةٍ حُجّيتُها فإنه يؤدي إلى الخلل في إيمانه حسب ما جاء في الآية الكريمة.

صحة عقد النكاح لا يقتضي جواز المقاربة مطلقاً

قد يخلط البعض بين صحة عقد الزواج وبين جواز الوطئ !

والصحيح هو:

إذا كانت البنت لم تُكمل تسع سنين، فلا يجوز وطئُها شرعاً.

وأما من تجاوزت هذه السن، فإن كان الوطئ يسبب لها ضرراً، فعلى القاعدة، وأنه لا يجوز إيقاع الضرر بالآخر، وإن لم يسبب ضرراً معتدّاً به، فهي زوجته، وهذا تابع لبُنية الزوجة الجسميّة، بعد إذن الولي بتزويجها الذي افترضناه عاقلاً ومهتماً بمصلحة ابنته.

هذا لمن آمن بالغَيْب.. ولا شأن لنا بالمهرّجين

لعلّ هذا المنطق العلمي الذي سقنا الكلام وفقَه لا ينسجم مع ذائقة بعض المهرّجين الذين ادّعوا - كذباً - أنّ الفقهاء أجازوا الاستمتاع بالبنت ذات الشهر !

فيا هذا... هل هناك عاقل يرى في ذات الشهر استمتاعاً ؟ حتى يُناقَش في مرحلة الجواز وعدمه ؟!.. هل مُسخ عقلُك إلى حدٍ مابات يميّز بين الموضوعات ؟ وأنّى لعقلك الفكرة ولم يُمهله مُذهبُه ؟!

هذا والحمد لله أولاً وخراً.. وصلى الله على محمد وعلى آله الطاهرين.


[1] ١) ذكر هذا المبحث الشيخ الآخوند (رض) في كفاية الأصول في التنبيه الثالث من تنبيهات البراءة. ص ٣٤٨.

توضيح / المقصود بالمنفعة والضرر والمصلحة والمفسدة :

قد يتناول المريض دواءً مركّزاً قد ترتفع درجة حرارته ليوم أو يومين جرّاء تناول هذا الدواء، ولكنّه سيشفيه من مرضٍ عُضال.

فيقال : إنّ الدواء وإن أضرّ به نسبياً ولكنّه كان بمصلحته.

وقد يظلم الإنسان فيحصل على منافع مادية نتيجةً لظلمه، ولكنّه يُعدّ مفسداً في نظر العقلاء.

وبهذا يتبيّن أنّ المصلحة تختلف عن المنفعة. والمفسدة تختلف عن الضرر.