شهر رمضان

ضيافة وكرامة: كيف نستثمر شهر رمضان لتأهيل أنفسنا؟

السيد منير الخباز 25-04-2020 659

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة: 185].

ورد في الرواية عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرِّضَا، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ  خَطَبَنَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللَّهِ بِالْبَرَكَةِ وَ الرَّحْمَةِ وَ الْمَغْفِرَةِ، شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ، وَ أَيَّامُهُ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ، وَ لَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، وَ سَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ، هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللَّهِ، وَ جُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ، أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَ نَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَ عَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَ دُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ... وسائل الشيعة «تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»: 10 / 313، للشيخ محمد بن الحسن بن علي، المعروف بالحُر العاملي.

الضيافة

هذه الجملة النبوية الشريفة نقفُ عندها لنتأمَّل في قوله: هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللَّهِ، فهنا جهاتٌ ثلاث تستحق الوقوف عندها:

الجهةُ الأولى:

إن الضيافة تختلف باختلاف مقام المُضيف فتارة يحلُّ الإنسان ضيفاً عند أخيه النسبي أو صديقه الحميم فلا تسلتزم الضيافة حينئذ مراعاة آداب أو حدود معينة لأنه يتصرَّف كأنه في بيته.

ولكن لو حلَّ الإنسان ضيفاً عند شخص عظيم كالسلطان أو المرجع الديني فإن للضيافة حينئذ آدابا ورسوما وحدوداً لابد للضيف من مراعاتها لكي لا يخرج عن عنوان كونه ضيفا عند هذا العظيم.

فكيف بما إذا كان المضيف هو الله جلّ جلاله الذي هو عين ومَظهر العظمة.

إذا كان المُضيف هو الله والمؤمن ضيف عنده فلهذه الضيافة آداب ورسوم وحدود لابد للمؤمن أن يلتفت إليها لئلا تختل الضيافة ويتبخر أثرها ولا يبقى لها تأثير على روحه وسلوكه.

الجهةُ الثانية:

أن الضيافة تختلف باختلاف درجة كرم النفس للمُضيف، فهناك شخص كريم وهناك أكرم وهناك أشد كرماً.

وكلما كانت درجة كرم النفس أشد، كان العطاء من المضيف أكثر وأوسع.

فكيف إذا كان الإنسان ضيفاً عند الكريم المطلق الذي لاحد لكرمه بل الذي الكرم فعله، فإن مثل هذا العظيم الذي لا حد لكرمه عطاؤه لا حد له وضيافته لا حد لها.

فالإنسان ما دام ضيفا لدى الكريم المطلق، فهو محل للكرم المطلق الذي لا حد له.

الجهةُ الثالثة:

ما هو الكرم الذي نتوقعه؟ ماهي الضيافة التي نترقبها في شهر رمضان مِن قِبل هذا الكريم والمُضيف المطلق؟

هناك المؤمن غير العارف وهناك المؤمن العارف.. المؤمن غير العارف يتوقع الثواب العظيم الجزيل والحسنات التي لا إحصاء لها ولا عد لها.

وهذا هو الكرم بنظره لذلك هو في شهر رمضان يستمطر هذا الكرم كثرة الثواب.

اما المؤمن العارف فالذي يتوقعه غير الثواب والحسنات.. [ما جاء في نهاية الآية الكريمة] (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 72].

تركيزه على القرب الروحي من الله عز وجل ونيل رضوانه.

وهناك ثلاث لذات يعيشها المؤمن العارف مع الله:

1 - لذةُ الحب: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ..) [البقرة: 165]

2 - لذةُ المناجاة والوقوف بين يدي الله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) [المؤمنون: 1 - 2].

3 - لذةُ الشعور بعناية الله، يشعر أن الله عز وجل يعتني به ويفتح له الأسباب: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت: 69].

أن يصل به القرب الروحي من الله أن يعيش لذة لا تضاهى في القرب من الله والوقوف بين يدي الله تبارك وتعالى.

كرامة الله

وَ جُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ، لاحظوا [أيها الإخوة] الفرق بين التعبيرين فالدخول تحت ضيافة الله يتوقف على اختيار من المؤمن أن يُدعى فيجيب. (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الأحقاف: 31].

أما كون المؤمن في شهر رمضان من أهل كرامة الله فهذا لا يتوقف على اختياره ولا يتوقف على إجابته، بل الله يجعله - ما دام مؤمنا - من أهل كرامته وَ جُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ.

بما أنك مؤمن فأنت في كرامة الله وأيُّ شرف أعظم من هذا الشرف أن يكون الانسان من أهل الكرامة عند الله عز وجل.

فإن الإنسان يفتخر إذا كان من أهل الكرامة عند أبيه أو من اهل الكرامة عند المرجع والمؤمنين، فكيف إذا كان من أهل الكرامة عند مصدر الكرامة ألا وهو الله تبارك وتعالى. ”وَ جُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ“.

وأوضح مظهر لكرامة الله، أن يُبعد عنك كلّ وسائل المعصية والرذيلة فأنت تعيش حصانة في شهر رمضان. يُبعد عنك وساوس الشيطان ووسائله ويجعلك أنت ونفسك أنت وإيمانك، فهو يعطيك حصانة منيعة من وساوس الشيطان ووسائله وأعوانه.

لذلك السعيد من استفاد من هذه الكرامة واستثمرها، واستغرق وقته في شهر رمضان المبارك في الذكر والدعاء وقراءة القرآن الكريم.

والشقي من أبى إلا أن يعصي مع أن الله جعله من أهل كرامته وأبعد عنه الشيطان، إلا أنّ نفسه طغت حتى في هذا الظرف وزاولت المعصية.. (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ) [العلق: 6 - 7].

وقال تبارك وتعالى: (فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) [النازعات: 37 - 39].

لذلك ورد في الرواية الشريفة المعتبرة عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السَّلام أنهُ قَالَ: ”مَنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ إِلَى قَابِلٍ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَرَفَةَ“. الكافي: 4 / 66.

إذا لم يحظ في شهر رمضان بالتوبة والرضا والإنابة لا ينفعه شيء بعد ذلك، لَمْ يُغْفَرْ لَهُ إِلَى قَابِلٍ لأن نفسه الطاغية تحدّت الباري حتى في موضع الضيافة ومحلِّ الكرامة.

لذلك ينبغي على المؤمن أن يؤهل نفسه في هذه الأيام العظيمة لأن يكون من أهل الكرامة.

وكيف يُؤهل نفسه؟

إذا مشى على هدي هذه الروايات الشريفة..

في الرواية المعتبرة عَنْ جَرَّاحٍ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السَّلام أنَّهُ قَالَ: ”إِنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ مِنَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ وَحْدَهُ“ ثُمَّ قَالَ: ”قَالَتْ مَرْيَمُ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أَيْ صَوْماً صَمْتاً، فَإِذَا صُمْتُمْ فَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَ غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَ لَا تَنَازَعُوا، وَ لَا تَحَاسَدُوا“. الكافي: 4 / 64.

إذا ابتعد المؤمنون عن ظلم بعضهم بعضا والاعتداء على بعضهم بعضاً، كانوا أهلا للضيافة وأهلا لكرامة الله.

وقال الصادق عليه السلام سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ  امْرَأَةً تَسُبُّ جَارِيَةً لَهَا وَ هِيَ صَائِمَةٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ بِطَعَامٍ، فَقَالَ لَهَا: ”كُلِي“! فَقَالَتْ: إِنِّي صَائِمَةٌ!! فَقَالَ: ”كَيْفَ تَكُونِينَ صَائِمَةً وَ قَدْ سَبَبْتِ جَارِيَتَكِ؟! إِنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ مِنَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ“ الكافي: 4 / 64.

[وقد رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أَنَّهُ قَالَ: ”مَا صَامَ مَنْ ظَلَّ يَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ“ إشارة الى من يغتاب الناس وهو صائم، مستدرك وسائل الشيعة: 7 / 370، للشيخ المحدث النوري.]

وفي الرواية المعتبرة عن محمد بن مسلم قال قال أبو عبدالله : ”إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ، وَ بَصَرُكَ، وَ شَعْرُكَ، وَ جِلْدُكَ، وَ عَدَّدَ أَشْيَاءَ غَيْرَ هَذَا وَ قَالَ: لَا يَكُونُ يَوْمُ صَوْمِكَ كَيَوْمِ فِطْرِكَ“. الكافي: 4 / 64.

أي تتميز بكونك صائما محلا للكرامة وأهلا الضيافة.. نسأل الله تبارك وتعالى لنا ولكم في أيام هذا الشهر المبارك، أن يُوفقنا لطاعته وأن يُبعدنا عن معصيته وأن يَجعلنا من التوابين من الذاكرين والقانتين.