عزاء طويريج وسيمفونية الابتداع

* الشيخ ليث الكربلائي

- الآراء الواردة في هذا المقال لا تمثل بالضرورة رأي موقع "الأئمة الإثني عشر".

الأصل في العناوين المأخوذة في الأدلة الشرعية مواضيعا كانت ام متعلقات هو حملها على مدلولها اللغوي ما لم يدل دليل على النقل ومن ثم الاصل فيها انها مُطلَقة من جهة الماهية ما لم يدل دليل على تدخل الشارع في ضبط ماهيتها ومن ثم فان الأصل في تلك العناوين ومصاديقها حملها من حيث كيفية وجودها على طبيعتها المألوفة عند العرف ما لم يثبت بدليل ان الشارع يريد وجودها بنحو خاص. وهذه القضايا الثلاثة من مسلمات علم الأصول.

والعناوين المأخوذة في أدلة الشعائر الحسينية ليست بدعا من ذلك و لكن نلاحظ أن ثمة سيمفونية يعزفها البعض عاما بعد عام حول المرحلة الثالثة اي في كيفية ابراز الشعائر الحسينية الى صقع الوجود، فنجد البعض يُشْرِعُ في كل عام بتصنيف الشعائر الحسينية الى شعائر منصوصة وأخرى غير منصوصة ومن ثم يحكم بشرعية الأولى بينما يوصم الثانية الابتداع وقد فاق هؤلاء حتى السلفية في توزيع تهمة الابتداع في قضية الشعائر، وآخر ما كان من ذلك مقالا قرأته يوم أمس لأحد الكتاب يرى فيه ان عزاء طويريج لا أصل له من الشرعية من جهة انه غير منصوص عليه بعنوانه. ومع ان توزيع الشرعية وعدمها بهذه الطريقة أمر ساذج للغاية لكن سأتوقف عنده في هذا المقال قليلا فقط لأن الكاتب ذاك ينسب نفسه الى طلبة العلم !.

لو تحرينا العناوين الواردة في أدلة الشعائر الحسينية سنجد انها عناوين كلية مطلقة من قبيل (إحياء أمرهم عليهم السلام) و (الحزن والجزع على مصابهم ).

وهذه كلها عناوين ذات حقيقة لغوية عرفية ولا يوجد اي دليل يدل على ان الشارع يطلب خصوص نحوٍ من انحاء وجودها العرفي فلسان (احياء امرهم) لسان عام ينطبق على كل ما يرى العرف ان فيه تذكيرا بهم وكذا لسان (الحزن على مصابهم) فيكون الفرد مخيرا في تطبيق هذه الطبيعة على اي مصداق من مصاديقها ما دام الشارع يطلب الطبيعة من دون من دون تخصيصها بعوارض معينة.ومثل هذا التطبيق لا يعد تشريعا كما لا يعد ابتداعا وذلك من جهة وضوح ان الفرد في صدد الامتثال بالتعبد بالطبيعة المطلوبة عند الشارع الموجودة في هذا المصداق ولا يتعبد بعوارض وخصوصيات المصداق نفسه وهذا له نظائر لا تعد ولا تحصى في الاحكام الشرعية الاخرى من غير باب الشعائر الحسينية كما لا يخفى.

وبهذا اللحاظ يصبح مفهوم الشعائر الحسينية عاما يشمل جميع المصاديق التي تبقى الطبيعة المطلوبة عند الشارع (احياء امرهم والحزن لمصابهم عليهم السلام) محفوظة فيها وما من شك ان في عزاء طويريج وما شابهه عرفا احياءً لذركهم وحزناً على مصابهم فهو مطلوب عند الشارع من هذه الحيثية وما لم يتم تجريده منها عرفا لا وجه للدعوة الى رفع اليد عنه نعم يصح ايضا رفع اليد عنه في حال انطباق عنوان ثانوي على الموضوع يُخرِجُه عن حكمه الأولي وهو غير متوفر في المقام.

وهنا ينبغي الالتفات الى ان قوله تعالى: " وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ " يشمل جميع الشعائر الحسينة من جهة ضوابط التعامل مع النص الآنفة الذكر نفسها حيث ان المدلول اللغوي للشعائر هو كل ما لله فيه أمر أشعر به وهو عام يشمل جميع اوامره تعالى وان اختلفت درجات انطباق عنوان الشعائر عليها لذا قال بعض الأعلام من السنة والشيعة ان الشريعة كلها شعائر ولكن لكل درجته.

وختاما أقول من المؤسف جدا ان يتخلى بعض من ينسب نفسه الى طلبة العلم عن وظيفته التي هي الهداية والارشاد ويتلبس بنقيضها حيث يكون مصدرا للصدود والادبار والأكثر أسفا ان يسلك في ذلك مداخل يعرف مخارجها اقل الطلبة فمن المستبعد جدا انه لا يعرفها غير اني اقول لهؤلاء وعن خبرة عمرها سنوات طوال بفضل تواجدي في دوائر ومؤسسات معينة : اطمئنوا مهما قدَّمتم من تنازلات ومجاملات ومهما وصموكم بالحداثة يبقى في واقع الأمر لن يرضى عنكم علماني ولا شيوعي مالم تدخلوا في ملته.. فباسم الله تخلصوا من ضنك عيشة أنصاف الهويات وحددوا هوياتكم أيا كان اختياركم؛ فمن أسباب ضنك العيش ان يكون المرء قلقا في هويته. والله المستعان.