بين النواويس وكربلاء.. كيف قطعوا جسد الحسين (ع)؟!

ما مدى صحَّة ما يقال في تفسير قول الإمام الحسين(ع): - " كأنِّي بأوصالي تُقطِّعُها عسلانُ الفلَوات بين النواويس وكربلاء" - (1) أنَّ خيول الأعوجيَّة لما داست جسد الحسين (ع) كانت تقفُ على جسده وتسحقُه بأقدامِها حتى يلتصقَ لحمُه الطاهر (روحي فداه) بحوافر الخيل، فحين خرج الجيش من كربلاء تناثر لحم الحسين (ع) من حوافر الخيول وتوزَّع بين كربلاء والنواويس المكان الذي دُفن فيه الحُر.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

فهل هذا التفسير لقول الإمام (ع) صحيح؟ وهل هذه التفاصيل موجودة في الروايات؟!

التفسير الصحيح للفقرة المذكورة:

هذا التفسير للفقرة المذكورة - من الخطبة المأثورة عن الإمام الحسين (ع) - خاطئٌ جدَّاً، فالمستظهَر عرفاً من قوله (ع) : " كأنِّي بأوصالي تُقطِّعُها عسلانُ الفلَوات بين النواويس وكربلاء" هو أنَّ الإمام (ع) كان بصدد التعريف الإجمالي بموقع مقتلِه الشريف، وأنَّه يقعُ بين منطقتين هما النواويس وكربلاء، فليس معنى ذلك أنَّ مساحة المقتل تستوعبُ المنطقة الواقعة بين هاتين المنطقتين بل معناه أنَّ المقتل يقعُ في موضعٍ هو بين هاتين البقعتين، فحينما يقال مثلاً : إنَّ بيتنا بين بغداد والبصرة فإنَّ أحداً لا يفهمُ من ذلك أنَّ مساحته تستوعبُ ما بين بغداد والبصرة بل المتفاهَم عرفاً من هذا التعبير أنَّ البيت يقعُ في نقطةٍ هي بين هاتين المدينتين.

وكذلك حينما يُقال إنَّ الإمام موسى بن جعفر (ع) وُلد في الأبواء وهي منزلٌ بين مكة والمدينة فإنَّ أحداً لا يفهمُ من ذلك أنَّ الأبواء تستوعبُ المساحة التي هي بين مكة والمدينة بل المتفاهَم من ذلك هو أنَّ المتكلِّم كان بصدد التعريف الإجمالي بجغرافيَّة هذه المنطقة وأنَّها تقعُ بين مكة والمدينة، ولذلك لا يكونُ هذا التعريف منافياً للقول أنَّ الجعرانة مثلاً قريةٌ بين مكة والمدينة، وأنَّ البيداء تقعُ بين مكة والمدينة، وأنَّ عسفان تقعُ بين مكة والمدينة، وأنَّ غدير خم يقع بين مكة والمدينة، وأنَّ الروحاء قريةٌ بن مكة والمدينة، فهذه قُرى ومنازل مختلفة في مواقعها يجمعُها أنَّها تقعُ بين مكة والمدينة ، بعضُها أقرب إلى مكة، وبعضُها أقربُ إلى المدينة، فلو كان معنى قولهم الأبواء بين مكة المدينة هو أنَّها تستوعب المساحة ما بينهما لكان معنى ذلك أنَّه لا توجد منازل وقرى بين مكة والمدينة سوى الأبواء أو أنَّ كلَّ القرى والمنازل داخلة في الأبواء، ولا يقول بذلك أحد بل ولا يتوهمُه مِن أحد .

وعليه فمعنى قوله (ع) : " كأنِّي بأوصالي تُقطِّعُها عسلانُ الفلَوات بين النواويس وكربلاء" هي أنَّ المقتل الشريف سيقعُ في نقطةٍ واقعة بين النواويس وكربلاء، ومثلُ هذا التعبير يُستعمل عادةً حينما لا يكون الموضعُ الذي يُراد تعريفُه معروفاً لدى المخاطَب فيتمُّ تعريفُه التقريبي بواسطة بيان أنَّ موضعَه يقع بين موضعين مشهورين نسبيَّاً .

موضع النواويس وكربلاء:

فالنواويس -كما أفاد الميرزا النوري في كتابه نفس الرحمن- هي "مقابر النصارى" قال: "وسمعنا إنَّها في المكان الذي فيه مزار الحرِّ بين يزيد الرياحي من شهداء الطف، وهو في ما بين الغرب وشمال البلد، وأمَّا كربلاء : فالمعروف عند أهل تلك النواحي إنَّها قطعةٌ من الأرض الواقعة في جنب نهرٍ يجري مِن قبلي سور البلد ويمرُّ بالمزار المعروف بابن حمزة ، منها بساتين ومنها مزارع والبلد واقع بينهما"(2)

وعليه فلعلَّ اسم كربلاء فعلاً قد تمَّ التوسُّع فيه فأُطلقَ على جميع المناطق المتقاربة آنذاك مثل الغاضريَّة، ونينوى، والعقر والطف، وطف الفرات، وشاطئ الفرات، والنواويس وغيرها من الأسماء التي كانت تُطلق على القرى والصحراء والبساتين والمنازل والعيون المتجاورة أو المتقاربة(3) ولعلَّ منشأ إطلاق اسم كربلاء في الروايات (4) على موضع المصرع الشريف وموضع الملحمة كان بسبب، أنَّ اسم كربلاء كان من أشهر أسماء تلك البقاع تماماً كما هو منشأ التعريف التقريبي بموضع المصرع في بعض الروايات بمنطقة "عمورا" (5) وأرض بابل (6) وبشط الفرات (7) وبنينوى(8) وبظهر الكوفة(9) .

معنى التقطيع للأوصال:

ثم إنَّ المستظهَر من التقطيع للأوصال في قوله :" كأنِّي بأوصالي تُقطِّعها عسلان الفلوات"  هو أنَّ قتله سوف لن يتمَّ بضربة واحدة -في مقتلٍ- تُودي بحياته بل سيتمُّ ذلك بتآزر ذئبان الفلوات على تمزيق جسده بأسلحتهم، فلا موجب لاستظهار بعثرة أوصالِه -على امتداد ما بين النواويس وكربلاء- من كلمة التقطيع ، فالتقطيع يصدق حتى مع بقاء الأوصال في موضعها، والتناثر يحتاج إلى بيانٍ زائد لم تتصدَّ الرواية لذكره ، فلا يصح الرجمُ بالغيب والتبرُّع بما لم تتصدَّ الرواية لبيانه أو حتى الإشارة إليه .

على أنَّ الروايات والنصوص التاريخيَّة -بعد التتبع - خالية من هذا التصوير الفظيع، فلم نجد في شيءٍ منها على أنَّ أوصاله (ع) قد تناثرت بفعل خيول الأعوجيَّة على امتداد ما بين النواويس وكربلاء. هذا مضافاً إلى أنَّ من المستبعَد غايته أنْ يظلَّ شيءٌ من الأوصال عالقاً في حوافر الخيول مسافة تمتد لسبعة كيلو مترات تقريباً بناءً على أنَّ النواويس تقع في موضع قبر الحرِّ بن يزيد الرياحي.

الهوامش: 

1- كشف الغمة - الأربلي- ج2/  239، نزهة الناظر- الحلواني- ص 86،  مثير الأحزان - ابن نما الحلي- ص29، اللهوف في قتلى الطفوف- السيد ابن طاووس- ص 38، معارج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول- الزرندي الحنفي- ص 94.

2- نفس الرحمن في فضائل سلمان- ميرزا حسين النوري الطبرسي- ص ٢٥٧

3- لاحظ: معجم البلدان - ياقوت الحموي - ، مرقد الإمام الحسين ( ع ) - السيد تحسين آل شبيب- ص ١١

4- كامل الزيارات - ابن قولويه- 452، المعجم الكبير - الطبراني- ج23 / 289.

5- الخرائج والجرائح - القطب الراوندي-ج 2/ 848، مختصر بصائر الدرجات - حسن بن سليمان الحلي- ص 37.

6- تاريخ مدينة دمشق- ابن عساكر- ج14 / 209، سير أعلام النبلاء- الذهبي- ج3/  397، البداية والنهاية - ابن كثير - ج8/ 176.

7-الخرائج والجرائح - القطب الراوندي- ج3/ 1145، المصنف - ابن أبي شيبة- ج8/ 632، الطبقات الكبرى - ابن سعد - ترجمة الإمام الحسين (ع) ص 48

8-الخرائج والجرائح - القطب الراوندي- ج3/ 1145،  المصنف - ابن أبي شيبة- ج8/ 632، الطبقات الكبرى - ابن سعد - ترجمة الإمام الحسين (ع) ص 48