’جوائز’ إحياء الشعائر والعزاء.. هل تحث على اقتراف المعاصي؟!

استفاضت النصوص، بل تواترت إجمالًا بعظيم أجر إحياء أمر أهل البيت (صلوات الله عليهم). وخصوصاً ما يتعلق بالإمام الحسين (عليه السلام) في زيارته والبكاء عليه وقول الشعر فيه وغير ذلك، على اختلاف أنحاء الأجر من غفران الذنوب، وإثبات الحسنات، ورفع الدرجات، وضمان الجنة، والوعد بالشفاعة إلى غير ذلك.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

كل ذلك بوجه مكثف، وبنحو مذهل، كما يظهر بأدنى ملاحظة لتراث أهل البيت (صلوات الله عليهم).

وذلك إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أهمية إحياء أمرهم (صلوات الله عليهم) دينياً، بنحو يناسب الثمرات المهمة له في صالح الدين.

شبهة أن ذلك يشجع على المعصية

نعم ربما حامت الشبه أو الوساوس حول ذلك في محاولة استبعاده -رغم استفاضة النصوص به- لدعوى أن في ذلك فسح الطريق للقائمين بممارسات الإحياء لأن يقارفوا المعاصي، ويأمنوا عقابها ومغبتها نتيجة ممارساتهم المذكورة.

بل قد يبلغ حدّ التشجيع عليها، بلحاظ ما هو المعلوم من كون كثير من المعاصي مرغوب نفسياً رغبة ملحّة، نتيجة الشهوة العارمة، والغرائز المتوثبة، فالتنبيه على غفرانها بهذه الممارسات يؤول إلى التشجيع عليها.

دفع الشبهة المذكورة

لكن من الظاهر أن ذلك لا يختص بإحياء مناسبات أهل البيت (صلوات الله عليهم) وجميع ما يتعلق بهم، بل ورد في غيرها أيضاً.

قال الله عز وجل: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ الليْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ‌ (1).

وفي صحيح الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) الوارد في شامة ظهرت في آدم (على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام) لما هبط إلى الأرض اسودّ منها جسمه، وأن جبرئيل (عليه السلام) هبط عليه وأمره بالصلوات الخمس، فكلما صلى‌ واحدة انحطت الشامة بسوادها للأسفل، حتى إذا صلى الخامسة خرج من الشامة، وابيضّ جسمه. فقال له جبرئيل (عليه السلام): «يا آدم مثل ولدك في هذه الصلاة كمثلك في هذه الشامة. من صلى من ولدك في كل يوم وليلة خمس صلوات خرج من ذنوبه كما خرجت من هذه الشامة» (2).

ومما ورد عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) قوله: «تعاهدوا أمر الصلاة وحافظوا عليها واستكثروا منها وتقربوا بها، فإنها كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً... وإنها لتحُتّ الذنوب حتّ الورق، وتطلقها إطلاق الرَبَق ‌(3). وشبهها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالحِمّة (٤) تكون على باب الرجل فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات. فما عسى أن يبقى عليه من الدَرَن‌ (5) ...» (6).

وفي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: قال رسول الله (ص): الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد» (7).

وفي موثق السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: إن الله عز وجل ليغفر للحاج ولأهل بيت الحاج ولعشيرة الحاج ولمن يستغفر له الحاج بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من شهر ربيع الآخر» (8)... إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة جداً الواردة في الصلاة والحج وغيرهما.

ومجرد الوعد أو القطع بغفران الذنوب لا يقتضي التأمين منها المستلزم للتشجيع عليها، بل هو- نظير الحثّ على التوبة والوعد بغفران الذنوب معها- من أسباب صلاح الإنسان، لأن شعوره بالتخلص من تبعة الذنوب والتخفف منها، وبشرف علاقته بالله عز وجل، وقبوله تعالى له، ودخوله في حظيرة طاعته، وكونه مورداً لفيضه وثوابه، واستشعاره لذة ذلك، وانشراح صدره به، كل ذلك يكون محفزاً له على المزيد، حتى قد ينتهي بصلاحه وتهذيب نفسه وبُعده عن التمرد والعصيان

وكلما كان الحثّ من الشارع الأقدس على العمل القربي أشد، والثواب عليه أكثر، كشف عن أهميته وشدّة قرب القائم به والمؤدي له عند الله تعالى، وكان أحرى بإصلاح الإنسان، وحمله على طاعة الله عز وجل، وإبعاده عن معصيته.

ولاسيما إذا كان العمل بنفسه مدرسة تربوية، تهذب الإنسان وتذكره بالله تعالى، كالصلاة بأفعالها وأذكارها، والحج بمناسكه ومشاعره، وإحياء أمر أهل البيت (صلوات الله عليهم) وما يتعلق بهم مما يوجب الانشداد لهم وتأكد حبهم والتعلق بهم، والتعرف على تعاليمهم وسلوكهم، حيث يوجب القبول منهم والتفاعل بسيرتهم وتعاليمهم.

ولذا لم نعهد مؤمناً ملتزماً في نفسه قد تحلل وقارف المعاصي نتيجة توفيقه لمثل الصلاة والحج وإحياء مناسبات أهل البيت عليهم السلام اتكالًا على عظيم الثواب عليها وتكفيرها للذنوب.

بينما نعهد الكثير من غير الملتزمين قد صار توفيقهم لشيء من هذه الأمور محفزاً لهم على الالتزام الديني تدريجاً، وسبباً لصلاحهم وتهذيبهم.

لا محذور في التركيز على نصوص الأجر والثواب‌

 

ومما ذكرنا يظهر أنه لا مجال لدعوى: أن النصوص الشريفة وإن تضمنت الثواب العظيم على إحياء أمر أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وخصوصاً ما يتعلق بالإمام الحسين (ع) لمصالح هم عليهم السلام أعلم بها، إلا أنه لا يحسن الإعلان بذلك والتأكيد عليه أمام الجمهور، حذراً من اغترارهم بذلك وتسامحهم دينياً اتكالًا عليه.

حيث اتضح مما سبق أنه لا منشأ للحذر المذكور. على أن النصوص إنما وردت لإعلام المؤمنين بمضامينها، وحثهم على هذه الممارسات من طريق ذلك. فلا وجه لكتمان ذلك، والامتناع من إعلامهم به.

رجحان الوعظ والتذكير باهتمام أهل البيت عليهم السلام بالالتزام الديني‌

نعم من الراجح جداً وعظ القائمين بهذه الممارسات وحملهم على الالتزام الديني، وتنبيههم إلى حثّ أهل البيت (صلوات الله عليهم) لشيعتهم أن يعينوهم بالتقوى والورع، ويتنافسوا في الدرجات، وأن يكونوا زيناً لهم، ولا يكونوا شيناً عليهم، وإلى أن أعمالهم تعرض على النبي والأئمة من آله (صلوات الله عليهم أجميعن) فما كان فيها من حسن سرّهم، وما كان فيها من سي‌ء ساءهم‌ (9).

بل الله عز وجل محيط من ورائهم بكل شيء، فقد يكون تورط العبد بالموبقات سبباً لمقته له مقتاً يستتبع خذلانه تعالى إياه، وسلب نعمة الولاية لأهل البيت عليهم السلام منه... إلى غير ذلك من وجوه الترغيب والترهيب. وقد سبق أن مناسبات إحياء أمرهم عليهم السلام مواسم للتثقيف، خصوصاً الديني منه.

وذلك أولى من التشكيك فيما استفاض من نصوص أجر الأعمال الصالحة ونصوص الشفاعة ونحوها، أو إغفالها وحرمان جمهور المؤمنين من الاطلاع عليها، حذراً من اتكالهم عليها. لأن ما ذكرنا هو الأنسب بغرض أهل البيت (صلوات الله عليهم) من بيان تعاليمهم الشريفة وثقافتهم الرفيعة (10).


الهوامش:

  1. سورة هود الآية: 114.
  2. وسائل الشيعة ج: 3 ص: 9- 10 باب: 2 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث: 9.
  3. الرَبَق: جمع ربقة، وهي عروة الحبل. وقد شبه (عليه السلام) الذنوب بعرى الحبل التي يربق بها الأسرى، لبيان أن الصلاة تطلق المذنب منها.
  4. الحِمة: العين الحارة الماء، يستشفي بها الأعلّاء والمرضى.
  5. الدرن: الوسخ.
  6. نهج البلاغة ج: 2 ص: 178- 179.
  7. وسائل الشيعة ج: 8 ص: 74 باب: 38 من أبواب وجوب الحج والعمرة وشرائطه حديث: 43.
  8. وسائل الشيعة ج: 8 ص: 71 باب: 38 من أبواب وجوب الحج والعمرة وشرائطه حديث: 31.
  9. راجع وسائل الشيعة ج: 11 باب: 101 من أبواب جهاد النفس.
  10. مقتطف من كتاب فاجعة الطف للمرجع الراحل السيد محمد سعيد الحكيم (قدس سره)، ص، 587-592.