كـ ’مسلم بن عقيل’.. الشجاعة: سلطة الإنسان على نفسه!

مفهوم الشجاعة في نهضة الامام الحسين (ع)

كتب الشيخ مرتضى معاش:

ما هو المفهوم من الشجاعة، وإذا لم تكن الشجاعة بمعنى القوة الجسدية، فما هي المعايير التي نعرف بها معنى الشجاعة؟ وماهو ارتباط الشجاعة بمنظومة القيم الأخلاقية؟ وكيف تكون الشجاعة او عدمها بمفهوم النصرة والخذلان للإمام الحسين (عليه السلام)؟ وكيف تجسدت الشجاعة في مسلم بن عقيل؟ وكيف توثر الشجاعة في واقعة عاشوراء على تربية اجيالنا؟

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

الشجاعة هي قوة معنوية تجعل الإنسان قادرا على مواجهة التحديات والصعاب وانضباط الانفعال والتحكم بردود الفعل، فمهما كانت قوة الإنسان الجسدية تبقى قوته المعنوية هي الفيصل في الميدان، لذلك نرى بعض الأشخاص أقوياء جسميّا لكن يُهزمون نفسيا ويخسرون، ورأينا في كل الأزمان والأمكنة كيف أن المجتمعات تنهار نتيجة لعدم وجود شجاعة حقيقية لمواجهة التحديات التي تتعرض لها هذه المجتمعات في الأزمات. قال الامام علي (عليه السلام): «وجدت الحلم والاحتمال أنصر لي من شجعان الرجال».

لأن الأساس في القوة هو القوة المعنوية، فالشجاعة هي من الفضائل التي تنتج ملَكَة نفسية ومرتبة اخلاقية، فتحتاج إلى تربية وتنمية لتحقيق تراكم الفضائل ومن أهمها العقل والحلم والعطاء والصبر والعلم، قال الإمام علي (عليه السلام): (أشجع الناس من غلب الجهل بالحلم)، (لا أشجع من لبيب).

ومعرفة معنى القوة الحقيقية من خلال السلوك المعتدل، فالشجاعة فضيلة وسطية بين الجبن والتهور. فلا شجاعة في الطغيان والاعتداء بل الشجاعة في العفو والسماحة. فالشجاعة تعني سلطة الإنسان على نفسه، كما في الرواية عن الإمام علي (ع): (أقوى الناس أعظمهم سلطانا على نفسه)، (الشجاعة صبر ساعة). معنى ذلك كلما كان الإنسان صبورا وقويا في التمسك بنفسه وقوتها يكون شجاعا أكثر.

وفي الأزمات التي نعيشها اليوم حيث استبداد وعنف الحكام الظالمين نلاحظ أن الإنسان يتعرض للانهيار، والسبب في ذلك عدم وجود شجاعة وقوة معنوية عند هذا الإنسان في مواجهة هذه التحديات، بمعني أن اليأس والإحباط الذي نراهما عند كثير من الناس بمثابة الموت البطيء، حيث يستسلم للأمر الواقع بسبب الخوف وفقدان الإيمان والشك والقلق، وهذا الاستسلام هو سبب في كثير من الانهيارات الإنسانية والاجتماعية. وقد رأينا قضية الحيادية في عدم نصرة الإمام الحسين (عليه السلام)، عندما أصبح الحياد هو نوع من الانهزام وعدم وجود الشجاعة في اتخاذ موقف، فمعنى الشجاعة هو عدم الوقوف في جانب الحياد بل اتخاذ موقف يعبر عن إيمان ويكشف عن مسؤوليته العقلية والشرعية.

بعض الأشخاص لا يتخذ موقفا في بادئ الأمر، بمعنى إذا اتخذ موقفا لا ينتظر أن تظهر النتيجة في نفس اللحظة، فربما تظهر النتيجة بعد مدة، لذا عليه أن يصبر إلى أن تبان نتيجة اتخاذه لهذا الموقف الشجاع أو العكس.

الشجاعة هي القدرة على اتخاذ الموقف، نلاحظ اليوم أن بعض الناس يعتبرون من لا يواجههم بأنه جبان وضعيف، فيمارسون العنف ضده، والعنف هو من أسوأ الرذائل التي يمكن للإنسان أن يفعلها، لأنه لم يضبط نفسه فيمارس العنف ضد الآخر ويعتدي عليه، لذلك نلاحظ أن الروايات تدعو الإنسان للتحلي بالصبر والحلم والحزم، وكما جاء في الرواية، فالحزم قوة كبيرة للإنسان الذي يضبط نفسه، فعن الإمام علي (عليه السلام): (آفة الشجاعة إضاعة الحزم)، وفعلا هذه هي القوة الحقيقية والملَكة النفسانية التي ينالها الإنسان من خلال ممارسة التصبّر والمصابرة في حياته. فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ألا أخبركم بأشدكم وأقواكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله!، قال: أشدكم وأقواكم الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق، وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له بحق).

معايير الشجاعة

من المواقف التي يُعرف بها الإنسان هو الثبات على المبدأ، فهناك من الناس بسبب خوفهم على حياتهم ينهزمون ويتنكرون للمبادئ، أو أنه يريد يعيش حياته فحسب، فيقول ما علاقتي بالمبادئ، وبماذا تفيدني؟، وهذه مصيبة كبيرة.

ولاحظوا أن أولئك الذين يتخلون عن مبادئهم، إذا أصبحوا واحدا أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة، فإن حالة التنكّر للمبادئ تصبح ظاهرة عامة، وعندها ينتشر الفساد في المجتمع ويصبح مجتمعا فاسدا، لأنه قام بالتخلي عن المبادئ الأساسية التي لابد للإنسان أن يتمسك بها من أجل حماية نفسه ومجتمعه.

لذلك من أهم صفات الإنسان الشجاع، أنه مبدئي، لا يتهاون، ولا يتلاعب، ولا ينظر إلى مصالحه إلا إذا كانت نابعة من مبادئه، كذلك يجب ألا يبيع مبادئه بأشياء بسيطة.

واقعة عاشوراء معركة بين المبادئ والمصالح

لقد انهزم كثير من الناس من أجل مصالحهم، قليل من أصحاب الإمام الحسين بقوا معه (عليه السلام) من أجل المبادئ، فإيمانهم بالإمام الحسين هو مبدأ إيمانهم بالحق في مقابل الباطل، وإيمانهم بالتضحية هو إيمان بالإمام (عليه السلام)، ولابد من مواجهة الباطل لأنه دمار وتدمير للمجتمع وللإنسان نفسه، فالهروب من مواجهة الباطل خسارة وليست ربحا.

 

لابد للإنسان التمسك بالمبدأ رغم أن بعض الناس يقول لك: لماذا أنت مثالي جدا، ولماذا هذه المثالية، عش حياتك، ودع هذه المثالية جانبا لأنك سوف تخسر، لكنك تقول إن الربح الحقيقي يكمن في التمسك بالمبادئ، وأولئك الذين يذهبون وراء مصالح صغيرة من اجل أن يربحوا شيئا صغيرا هم أناس سطحيون وخاسرون في الدنيا والآخرة.

هؤلاء مثلهم مثل الإنسان الذي يذهب للشراء من صاحب دكان لا يهمه أن يكذب ولا يكون صادقا مع المشتري، بالتالي حين يكذب على المشتري رغم أن ربحه بسيط، فإن المشتري لا يأتي مرة أخرى ليشتري من صاحب الدكان لأنه كاذب، هذه خسارة وليست ربحا، كذلك فإن المشتري سوف يبلّغ الآخرين بأن صاحب الدكان شخص كاذب فلا تشتروا منه. وهكذا سوف لا يخسر شخصا واحدا، بل خسر عدة زبائن.

من قضايا الشجاعة التي نعرِّف بها، هي قضية نصرة المظلومين، فالإنسان الذي لا ينصر المظلوم يعدّ جبانا وليس شجاعا، لاسيما أننا نرى الناس في حاجة إلى من يساندهم، فمن الذي يكون معهم، ويقوم بحمايتهم وحماية حقوقهم؟، لكننا نرى الكثير من الناس متخلّين عن هذه القضية. فنصرة المظلوم من شيم الشجعان، والشجاع هو من ينصر المظلوم ويقف معه.

الشجاعة في الانتصار للدين

الانتصار الحقيقي للدين هو أمر جوهري، لأنه الأساس الذي يحمي المجتمعات، لأن الدين إيمان وتقوى، لاحظوا هذه الآية المباركة (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا من الصادقين)، فالدين معناه كل الفضائل الأخلاقية والتقوى، وإذا لم ننتصر للدين لن ننتصر للتقوى والإيمان، فيكون المجتمع مخلخلا ومختلّا ومريضا. لذلك من شيم الشجعان أن يقف الإنسان مع الدين.

الشجاعة هي القوة الحكيمة، أي يكون استخدامها بحكمة، وفي موقعها، والشجاع هو الذي ينتصر للدين بحكمة، ويتم انتصار الدين بأشياء كثيرة، منها العلم والمعرفة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصرة المظلوم.

الإنفاق في سبيل الله

من المعايير الأخرى الإنفاق في سبيل الله، ففي الروايات تذكر الشجاعة مع السماحة والسخاء، لأن قمة الشجاعة أن الإنسان ينفق أمواله في سبيل الله، وفي سبيل الفقراء وبناء المجتمع، فالإنفاق من سمات الشجعان، لأن الإنسان بطبيعته يخشى على أمواله من أن تقلّ، فيكون جبانا في إنفاقها، ويكون بخيلا وحريصا، لكن هذه ليست من صفات الشجاع، فالإنسان الشجاع هو الذي ينفق أمواله على الخير والمحتاجين، والإنفاق في سبيل الإمام الحسين (عليه السلام)، فيضاعفها الله له أضعافا مضاعفة. فعن الإمام علي (عليه السلام): (أشجع الناس أسخاهم).

قصة وفاء

من أهم صفات الحسينيين في عاشوراء هو الوفاء فقضية كربلاء هي قصة وفاء، كما نلاحظ في وفاء مسلم بن عقيل، ووفاء أبي الفضل العباس (عليه السلام)، ووفاء أولئك الشجعان الذين لم يفكروا بأنفسهم.

وهذا هو الفرق بين الناجحين والفاشلين، فالناجحون هم الملتزمون بعهودهم وكلامهم، الموفون بعهودهم، لذلك نراهم محترمين أقوياء وشجعان، أما الإنسان الذي يتخلى عن وفائه وعهده، فهذا إنسان فاشل، فحتى علماء النفس أو علماء الإدارة يقولون إن الإنسان الناجح يوفي بكلامه وعهوده دائما، وهذه من صفات الإنسان الشجاع مهما كانت الظروف.

ارتباط الشجاعة بمنظومة القيم الأخلاقية

البعض يعرف معنى القوة بمعاني عدة منها القوة الصلبة والقوة الذكية والقوة الناعمة وقوة الإرغام، لكن القوة في حقيقتها هي قوة الأخلاق، لذلك في الحديث عن الامام علي (عليه السلام): (لو تميزت الأشياء لكان الصدق مع الشجاعة، وكان الجبن مع الكذب). فالإنسان الشجاع صادق ولا يخاف من قول كلمة الحق، ولو وضعوا شيئا مع الجُبْن لكان الكذب، فالكذاب جبان، لذلك فإن القيم الأخلاقية في حياة الإنسان تصل به إلى مرتبة ملَكة الشجاعة، فهو قوي لأنه تغذى بهذه القيم الأخلاقية. وعن الامام الصادق (عليه السلام): (من كانت فيه خلة من ثلاثة انتظمت فيه ثلاثتها في تفخيمه وهيبته وجماله: من كان له ورع، أو سماحة، أو شجاعة).

الخوف من الله

إن أهم الطرق في بناء الشجاعة هو الخوف من الله سبحانه وتعالى، يقول الامام الصادق (عليه السلام): من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء.

لماذا تخاف من الظالم، ولماذا تخاف من الآخرين، لماذا تخاف من أن ينقطع رزقك، عليك أن تخاف من الله سبحانه وتعالى فقط، فإذا كان الإنسان خائفا من الله كان شجاعا قويا في الدنيا، وقال (عليه السلام): من عرف الله خاف الله ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا.

الشجاع لا يهتم للدنيا، فهي ليست مهمة عنده، إنها شيء بسيط، وليس مهما أن يحرص على منافعه ولذاته في الدنيا، ولا يقلق ولا يخاف من ضياع مستقبله، لذلك فإن الأبطال الحقيقيين هم الشجعان الحقيقيون الذين يخافون من الله.

القوة المعنوية للإمام علي (عليه السلام)

أكثر الناس خوفا من الله تعالى الإمام علي (عليه السلام)، كان الإمام علي (عليه السلام) إذا حضر وقت الصلاة تلون وتزلزل. فقيل له: ما لك؟ فيقول: جاء وقت أمانة عرضها الله تعالى على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان على ضعفه، فلا أدري أحسن إذا حملت أم لا.

لذلك كان أشجع الناس، فقضية الإمام علي (عليه السلام) ليست قضية جسدية فقط، وإنما هي قضية معنوية كبيرة وعظيمة، فمن كان يقاتل الإمام علي كان يخاف من إيمان الإمام (عليه السلام) وقوته المعنوية الهائلة، فكان ينهار وينهزم قبل بدء القتال، لذا نستطيع أن نقول أن الأضداد قد اجتمعت في أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهو الشجاع الخائف، إنه الشجاع في ساحة المعركة والخائف من الله سبحانه، ومن يخاف الله فهو شجاع لأنه يخافه تعالى ولا يخاف من أي شيء آخر.

أما الإنسان الذي لا يخاف من الله سبحانه وتعالى، ويخاف من الناس، فهذا جبان وعبد، واليوم نعيش في مجتمعات متخلفة بائسة شقية، بسبب خوف الناس من الحكام الظالمين ومن الآخرين، فنلاحظ أن الإنسان يتعلم الخوف وهو صغير لذلك فهو لايحمل الشجاعة في قلبه.

تثقيف الناس بالخوف من الله؟

من الخطأ والخطر أن يتربى الإنسان على الخوف وهو صغير، لذلك نلاحظ وجود الأُسر التي لا تهتم بشجاعة الأبناء، بل تهتم بتخويفهم، فيعيشون مدجنين في أجواء الظلم والأنظمة المستبدة والحكومات الجائرة، ونلاحظ أنهم يخوّفون أطفالهم دائما، فيربون عندهم حالة الجبن، وهناك من يربي أبناءه على الكذب والنفاق وعلى الانزواء والحياد، لذلك لابد أن نربي أبناءنا ومجتمعنا على الخوف من الله سبحانه وتعالى، وليس الخوف من الظالمين. والخوف من الله منهج تربوي مهم في بناء الشجاعة عند الإنسان.

ومن معايير الشجاعة، هي ارتباط الشجاعة بالعقل والتعقل، فالإنسان الشجاع هو المتعقل الذي يستخدم عقله وحكمته في عملية إدارة الأمور والمواقف، وإدارة المواجهات، فالإنسان المتعجرف والذي يحاول أن يمارس القوة ضد الآخرين هذا ليس بشجاع. قال رسول الله (ص): وآفة الشجاعة البغي.

نصرة وخذلان للإمام الحسين (عليه السلام)

الشجاعة هي انتصار للإنسان مهما كانت المواقف وهي ربح، والخذلان هو هزيمة وجبن مهما كانت المواقف أيضا، لذلك فإن الانتصار للإمام الحسين هو انتصار للإنسان الشجاع في حياته، فعندما ننتصر للإمام الحسين ننتصر لمبادئ الحق، ونقف مع المظلومين، وننتصر للقيم الأخلاقية، وننتصر للإنفاق في سبيل الله، وبالعكس من ذلك، هو من يخذل الإمام الحسين (عليه السلام).

بعض الناس للأسف الشديد ليس لديه دافع لنصرة الحق، فيكون إنسانا روتينيا في حياته، ويعيش يومه ليأكل ويشرب وينام وهكذا، بالنتيجة ليس له موقف في الحياة، وهذا هو الإنسان الذي يتملكه الخذلان.

تجسد الشجاعة في مسلم بن عقيل

مسلم بن عقيل وأصحاب الإمام (عليه السلام) هم تجسيد حقيقي لمعنى الشجاعة، كيف يُعقل أن فئة قليلة تقف أمام ذلك الجيش الجرار، ففي هكذا موقف الناس يفرون هاربين، وكيف يُعقل أن مسلم بن عقيل يذهب إلى الكوفة، وهناك يرى الخذلان والهزيمة؟، لكنه يقف صامدا، هذا هو معنى الشجاعة لأنه هناك ايمان ويقين، والإنسان الشجاع لا يبيع مبادئه، وهذه المواقف هي التي تبني تاريخنا المشرف.

نحن كبشر إذا لا نملك شجاعة الإمام الحسين وأصحابه، فماذا يبقى لدينا في الحياة من قيم؟ في حياة كثير من المجتمعات قيم فاسدة، أو سلوكيات فاسدة، لكننا نحن نعيش ببركة الإمام الحسين وأصحابه وشجاعة مسلم بن عقيل، وهو نِعْمَ الرسول، فقد كان يمثل الشجاعة الحسينية والعلوية، وهو تربّى في حجر أمير المؤمنين، وتربى في مدرسة أهل البيت، وكان تجسيدا لتلك الشجاعة العظيمة، وقد قال رسول الله لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب: «اني أحب عقيلا حبين حبا له وحبا لحب أبي طالب له وإن ولده لمقتول في محبة ولدك تدمع عليه عيون المؤمنين وتصلي عليه الملائكة المقربون» ثم بكى رسول الله وقال «إلى الله تعالى أشكو ما تلقى عترتي من بعدي».

وقد رأينا موقف مسلم بن عقيل الكبير في الكوفة، وفي ذلك الموقف الذي حصل في بيت شريك بن الأعور، نلاحظ عندما جاء عبيد الله بن زياد، فهو كان يستطيع أن يقتله، وعندما ذهب عبيد الله بن زياد، سأل شريك بن الأعور مسلم بن عقيل: لماذا لم تقتله؟، فقال سمعت عن رسول الله أنه قال (الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مسلم) فشجاعة مسلم ليست غدرا، لأن الغدر من شيم الشياطين والجبناء والانتهازيين، فهؤلاء هم الغدارون.

لقد تربى مسلم بن عقيل في مدرسة الإمام الحسين وأمير المؤمنين (عليهما السلام)، على القيم الأخلاقية، فأهل البيت لم يأتوا من أجل الوصول للسلطة بأي ثمن بحيث الغاية تبرر الوسيلة، وللأسف الشديد هناك كثير من الناس يستخدمون قاعدة الغاية تبرر الوسيلة، وهؤلاء هم اللاهثون وراء السلطة والمال والربح مهما كانت الوسائل التي يستخدمونها، فهؤلاء يفعلون كل شيء، يقتلون ويعبثون ويكذبون ويسرقون من اجل السلطة.

الدين لا يقبل ذلك، الغاية لا تبرر الوسيلة، هناك مبادئ، فلا يطاع الله من حيث يُعصى كما في الرواية، وإذا كانت الغاية تبرر الوسيلة، فإن الإمام علي كان أدهى الناس، يقول الإمام علي (عليه السلام): (والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر. ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة. ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة..).

إن الغدر يدمر الإنسانية، وإذا أصبح كل البشر غدارون، تصبح الحياة فوضى حيث يختل التوازن الكوني الذي يقوم على الإنصاف والعدل وتكافؤ الفرص، واحترام الآخرين وحقوقهم، فإذا تم اغتيال كل هذا بالغدر انتهى كل شيء، فهدف أهل البيت هو بناء مجتمعات صالحة.

يجب ملاحظة أن المجتمع الصالح يُبنى بالمبادئ، وبالقيم الأخلاقية، لكن الحكومات والقوى الكبرى الموجودة في عالم اليوم، لا تهتم بالبشر، في حين تمتلئ الدول بالفقراء والحروب بسبب القوى الكبرى، لأنها تقول علنا (مصالحنا أولا)، ولا أهمية للبشر فليموتوا لا مشكلة في ذلك، لذا نلاحظ انتشار الأسلحة النووية في العالم التي من الممكن أن تدمر البشرية مئات المرات.

كما نلاحظ أن العالم اليوم محاصر بالحرائق والفيضانات والكوارث والاوبئة، وهذا كله بسبب سوء إدارة هذه القوى للعالم، ولأن مصالحها الخاصة وارباحها الشخصية أهم من كل شيء مهما أدى هذا كله الى تدمير البشرية.

إن هدف أهل البيت هو بناء المجتمع الصالح، لهذا فإن مسلم بن عقيل عرف أن هناك حدّا فاصلا بين الإيمان والكفر ولم يغدر، ولو أنه لا سامح الله غدر، لانتهى كل شيء، ومن باب القضية الافتراضية كان أهل البيت يستطيعون أن يجمعوا أناسا كثيرين من خلال الأموال وتقسيم المناصب والمغانم وينتصروا ويحصلوا على السلطة، لكن هذا ليس هدفهم لأنهم أصحاب رسالة، والسلطة والغدر ليست رسالة الأنبياء والائمة (عليهم السلام)، بل رسالتهم بناء المجتمعات الصالحة الصادقة والمؤمنة التقية.

كيف تؤثر الشجاعة في واقعه عاشوراء على تربية أجيالنا؟

نحن نحتاج إلى أناس شجعان، ومجتمعات شجاعة، لأننا نعيش التخلف بسبب الخوف، فلابد أن تكون عاشوراء مدرسة لتربية الشجاعة عند الناس، ليست الشجاعة الجسدية فقط، لكن نحن نركز على الشجاعة الجسدية وعلى السيف والسلاح، وهذا كله شيء وشكل ظاهري، القوة الحقيقية تكمن في الشجاعة المعنوية والتقوى والإيمان والسخاء والكرم والعطاء والفضائل الأخلاقية والصدق، هذه هي القيم التي تربي الإنسان على أن يكون ذا شخصية قوية.

عندما نقرأ كربلاء نلاحظ أنها كلها مواقف، لحظة بلحظة، وموقف بموقف، إذ تعبر هذه المواقف عن الإنسان العظيم والشجاع والفاضل والصالح، فالناس يتمسكون بعاشوراء لأنها مدرسة لتربية الفضائل وتنمية الأخلاق، لذلك لابد أن نشجع أبناءنا على استلهام الدروس من عاشوراء، حتى نصنع شخصيات قوية وناجحة في مجتمعاتنا، وبناء أجيال قوية، وبناء أمة قوية قائمة على فكر وثقافة أهل البيت وقيمهم.

ترسيخ مفهوم الشجاعة الحسينية

نعم بالإمكان ذلك إذا أصبحت الممارسة الحسينية واقعا مستمرا في حياتنا، فنحن في عاشوراء لابد من استثمار التلاحم العاطفي الكبير من أجل إيجاد تلاحم فكري وأخلاقي كبير بين الناس، وتبيين واقعة عاشوراء حتى يؤثر ذلك تأثيرا كبيرا في بناء الإصلاح في مجتمعاتنا وإدانة كل أنواع الانتهازية، خصوصا أولئك الذين يستغلون الدين.

فقد جسد الإمام الحسين (عليه السلام) الدين في يوم عاشوراء، هذا هو الدين الحقيقي، إنه دين الحرية والصدق والشجاعة والعطاء، وكل القيم الصادقة التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاستقامة، وليس دين الانتهازية، الإنسان الذي يظلم الآخرين هذا ليس إنسان متدينا، بل هو يستغل الدين.

لذلك عندما يعرف الناس معنى القيم التي ناضل من اجلها الإمام الحسين (عليه السلام)، سوف نستطيع أن نبني مجتمعا صالحا، فنحن نحتاج إلى جهاد حسيني، ومعنوي كبير، نحصل عليه من خلال الثقافة والتثقيف وبناء التفكير الحسيني، وكيفية ممارسة الشجاعة التي تطرقنا لها سابقا، من خلال الصدق والحكمة والعقل، حتى نستطيع أن نحقق تلك القوة الكبيرة.

بعض الدول المتقدمة تقدمت ليس بالسلاح، بل بالفكر والإبداع والإنتاج، لذا يجب أن نشجع مجتمعنا على العمل والإنتاج والتفكير والإبداع، واستخدام القوة الحقيقية، وهي قوة العقل والحكمة وضبط النفس، وقوة التعاون فيما بيننا وبين الآخرين، لأن التعاون شجاعة، والتواضع شجاعة، أما الإنسان المتكبر فهو جبان، ويريد يفرض نفسه على الآخرين من خلال تكبره.

على عكس ذلك، نلاحظ أن الإنسان المتواضع متعاون شجاع ومستعد لأن يتنازل عن حقه، حتى لو كان هو صاحب حق، إنه يتنازل من أجل تحقيق التعاون الاجتماعي، لذلك فإن الاهم في حياتنا، أننا نحتاج إلى الشجاعة الحسينية في بناء المجتمعات الصالحة، وأننا لابد أن نسير على هذا النهج لكي نتقدم ونفلح ونرتقي.