الوعد والإنباء بمقتل سيد الشهداء-أهميّته، ومشكلته.

"الْمَوْعُودِ بِشَهادَتِهِ قَبْلَ اْستِهْلالِهِ وَ وِلادَتِهِ"

كلّما مررتُ بهذا المقطع –وهو جزء من دعاء يوم ولادة سيد الشهداء (3 شعبان) - وقرأتُه كأنّي أقرأه أول مرّة، فأجول الخاطر متأملاً في معناه، وأُعمل العقل متدبراً في فحواه.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

والأمر  يستحق، فالمقام يقول: ثمّة وعد من الله للحسين قبل أن يوجد على الأرض بأنّه مقتول مستشهد لا محالة!!، وهذا مع الاغماض عن الجانب الأدبي و البلاغي في الجملة أعني الاستعارة في قوله: قبل استهلاله !

والمضمون آنفاً إخبار غيبيٌّ، وإنباءٌ عن حدثٍ مستقبليٌّ، على نحو تفصيليٌّ لا إجمالي، ولا أتحدث هنا عن المقطع أعلاه فقط، وإنّما عن مجموع ما أخبر به الوحي عن الواقعة قبل وقوعها، وتفاصيل حكتها النصوص عن تراجيديا كربلاء قبل حدوثها، وهي متواترة تواتراً معنوياً أو اجمالياً جزماً.  وخبر نعي النبي للحسين وبكاؤه عليه عند ولادته وبعدها أمرٌ معروف.

ليس هذا فقط، فلقد حدّثتْ تلك النصوص –وهي تعرب عن العلم الإلهي الأزلي – عن معظم ما يرتبط بالواقعة الأليمة و كيفيّتها، كما أخبرتْ عن مكان الفاجعة، وزمانها، وحدّدتْ هويّة القاتل وصفاً وانتماءً واسماً إلى غير ذلك من التفاصيل، ونؤكد مرّة أخرى على التواتر الإجمالي –كحدّ أدنى- لهذه الإخبارات التي تناقلها المسلمون قاطبة.

فيما يخصّ تحديد مكان القتل، جاء الإنباء صريحاً بأنّها كربلاء، وفي بعضها: أرض الطف، وفي آخر: أرض بابل، وفي رابع: أرض العراق.. وفيما يتعلق بزمان الواقعة روي عن النبي: يقتل حسين على رأس ستين من مُهاجَري. أما أنّ أمتي ستقتله، وفي حديث آخر: طائفة من أمتي، وفي ثالث بقية الفئة الباغية من بني أميّة..و في رابع يحدد القاتل وصفاً بالإسم: يزيد.(للتفصيل ينظر:الصحيح من مقتل سيد الشهداء،ص205، وما بعدها)

ويثار هنا سؤالٌ وإشكال:

فالسؤال: يتعلق بمغزى وأهميّة هذا نحو من الإخبار عن الحوادث الجسام قبل وقوعها،  وأمره هينٌ، وجوابه سهلٌ، إذ تبرز أهمية هذا النوع من الإخبار في أمرين:

فأولاً- أنّه أحد براهين صدق الوحي حتى اعتبره العلماء دليلاً مستقلاً على وحيانيّة القرآن وصدقيّة النبوّة الخاتمة. يقول السيد الخوئي: أخبر القرآن الكريم في عدة من آياته عن أمور مهمة ، تتعلق بما يأتي من الانباء والحوادث ، وقد كان في جميع ما أخبر به صادقا ، لم يخالف الواقع في شيءٍ منها . ولا شك في أن هذا من الاخبار بالغيب ، ولا سبيل اليه غير طريق الوحي والنبوة ..وراح الخوئي يسرد جملة من الشواهد القرآنية على ذلك(انظر-البيان،ص68)

وثانياً- إنّه ويبصّر الأمة ويكشف لها عن وظيفتها في التعامل مع الأحداث، فإنّ خبر الغيب، والإنباء عن المستقبل يمكن تقسيمه إلى قسمين: فقسم هو محض خبر، لا يستدعي موقفاً ولا يتعلق به تكليف ولا ينطوي على حثّ ازاء الحدث المخبر عنه، ومن هذا القبيل: إخبار القرآن الكريم في سورة النبأ عن أنّ أبا لهبٍ وزوجته لن يؤمنا وسيدخلان النار.والقسم الآخر، هو ليس إنباءً مجرّداً، ولا خبراً محضاً، وإنّما هو إخبار  يتطلب موقفاً، ويحدّد تكليفاً، وعلى هذا النحو وقع الإخبار عن قضيّة سيد الشهداء، فقد أخرج أبو نعيم في(دلائل النبوّة) تحت عنوان: إِخْبَارُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ...حديث أَنَسِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ ابْنِي هَذَا يُقْتَلُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَنْصُرْهُ قَالَ: فَقُتِلَ أَنَسٌ مَعَ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ(دلائل النبوّة،ص554).

وإمّا الإشكال الذي يمكن أن ينثار نتيجة هذا الإخبار، فهو أنّه ناءً على هذا الإنباء التفصيلي عن هذه الظلامة بمكانها وزمانها، وطرفيها: يزيد الظالم، والحسين المظلوم، فهل يمكن للطرفين تغيير مسار الأحداث، ويقلبا المعادلة بحيث لا يقع ما وقع في كربلاء؟! لا شك أنّ الجواب بالإيجاب يعني عدم مطابقة الإخبار الإلهي ومن ثمّ عدم مطابقة العلم الإلهي للواقع، وهذا كما ترى،! كما أنّ الجواب بالنفي لا يقل محذوراً عن سابقه، فهو ينفي الإختيار ويرفع التكليف عن الإنسان!

وما يزيد الطين بلّة، والمريض علّة: أنّ ما نحن فيه، أعني عبارة (الموعود بالشهادة قبل الولادة) ليس إنباءً وحسب، بل إنباءٌ ووعدٌ..و الأصل في وعد الله تعالى أنّه حتمٌ لازم، وقضاء من الله واقع؛ من حيث أنّه أنّه تبارك و تعالى لا يخلف الميعاد، وعلاوة على تصريح بعض النصوص في كونه قضاءً، مثل قوله: "وقد مضى القضاء مني فيه[الحسين] بالشهادة.." (كامل الزيارات،ص348).

وحل الإشكاليّة يتلخص بما روي من حديث قدسي عن الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم بمشيئتي كنتَ أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاءُ.(الكافي،ج1ص152) ويتبين مرماه في أمرين:

أولاً- إنّ أحد الفوارق الجوهريّة - وعادة ما يُغفل عنها- بين الموجودات المتزمنة المحكومة بالوقت والأين، والواقعة بالضرورة في أفق الزمان، ومن أوضح أمثلة الزمانيّات هي الحوادث والوقائع، ومنها واقعة كربلاء( سنة: 61هـ)، وجميع موجودات عالمنا -بما في ذلك نحن- هي موجودات متزمنة؛ لذا يتم من جهتها و بلحاظها تقسيم الزمن وتجزئته إلى ماض، وحاضر، ومستقبل، وتبعاً لذلك طبعاً: تقسيم الأحداث إلى أحداث وقعت في الماضي، وأحداث معاصرة تقع في الحاضر، وأحداث مستقبلية، وأما الله تبارك وتعالى، فكما هو منزه عن المكان، منزّه عن الزمان أيضاً، ومن ثمّ فنسبة الزمان والزمانيات (الحوادث) إليه متساوية، لا ماض فيها ولا حاضر ولا مستقبل، وإخباره إنما يكون عمّا هو واقع وكائن، ولا يجري ما يجري، ولايقع ما يقع، إلا بسبب وعلّة، والعلم الإلهي الذي يكشف عنه الإنباء عن الحوادث قبل وقوعه إنّما يتعلق بأسباب  الحوادث، وعلل الوقائع، كما يخبر المتنبأ الجوي عن حالة الطقس ودرجات الحرارة، وهطول الإمطار قبل حدوثها نظراً لأجتماع أسبابها، وتظافر عللها.

ثانياً- وإنّ أحد أجزاء تلك العلّة التامة لصدور الأفعال والحوادث هي اختيار الإنسان لها، ووقوع إرادته عليها، فالخيار الإنساني، وإرادة الفعل من بني البشر هي أحد أجزاء العلّة التامّة التي يستحيل وقوع الحدث من دونها، وهي أيضاً أحد متعلقات العلم والمشيئة والقضاء الإلهيّة، فقد قضى الله تعالى قضاءً حتماً، وأراد إرادة تكوينية لا تختلف ولا تتخلف أن تتعلق مشيئته وعلمه وقضاؤه بالفعل الصادر من الإنسان  بصدور الفعل الاختياري من الإنسان بقيد الاختيار والحرية، ومثل هذا العلم يوَكّد الاختيار، قال العلاّمة الطباطبائي:إنّ العلم الاَزلي متعلّق بكلّ شيء على ما هو عليه، فهو متعلّق بالاَفعال الاختيارية بما هي اختيارية، فيستحيل أن تنقلب غير اختيارية".(انظر-إلهيات السبحاني،ص216)، غاية الأمر هنا أنّه تعالى كشف للناس عن هذا العلم المتعلق بالحدث قبل وقوعه(واقعة الطف هنا مثالاً) الصادر عن الذوات لا من حيث هي ذوات وفقط، كما الشمس والاشراق، إنّما الصادر عن الذوات المختارة.