إنّ من أعظم نعم الله تبارك وتعالى تنصيب عليّ  (عليه السّلام) أميراً للمؤمنين وإماماً للمسلمين في واقعة غدير خم، ونزلت بشأنها العديد من الآيات الشريفة.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

وكنتُ في سالف الأيّام قد دشّنت بحثاً مختصراً، استقصيتُ فيه الآيات المرتبطة بحادثة الغدير، وهو ـ بلا شكّ ـ يتخلله النقص؛ إذ اقتصرت على تتبّع سريع في موسوعة بحار الأنوار، ولكن ظهرت النتائج مختلفة عمّا ارتكز في الأذهان من كون الآيات النازلة في سياق حادثة الغدير ثلاثة فقط!.

ولعلّ منشأ هذا الارتكاز: أنّ العلماء اهتمّوا بهذه الآيات الثلاثة - وهي الثلاثة الأولى في البحث - بالخصوص لكونها دخيلة في استدلالاتهم الكلاميّة، فكتبوا كتباً وبحوثاً معنونة بـ (آيات الغدير) مقتصرين عليها، ولم أذكر الأخبار الدالّة على نزولها في واقعة الغدير؛ لشدّة وضوحها وكمال ذيوعها، فلا ينكرها إلّا معاند أو جاهل.

ولم أقتصر على إيراد المعتبر، بل ذكرت كلّ ما وجدته من الأخبار، فليكن هذا بالحسبان، وعلى الله التكلان.

[1] قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [المائدة: 67].

[2] قوله تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ) [المعارج: 1ـ2].

[3] قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) [المائدة: 3].

[4] قوله تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ) [القلم: 1ـ6].

 

روى فرات عن محمّد بن عليّ الباقر (عليهما السلام) يقول: « نزل جبرئيل (عليه السلام) على النبيّ (صلى الله عليه وآله) بعرفات يوم الجمعة، فقال: يا محمّد، إنّ الله يقرؤك السّلام ويقول: قل لامتك: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) بولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ـ فذكر كلاماً فيه طول - فقال بعضُ المنافقين لبعض: ما ترون عينيه تدوران؟ - يعنون النبيَّ - كأنّه مجنون، وقد افتتن بابن عمّه، ما باله رفع بضبعه لو قدر أن يجعله مثل كسرى وقيصر لفعل. فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله): (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ).- يُعلِم النّاسَ أنّ القرآن قد نزل عليه، فأنصتوا ـ فقرء: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) يعني: مَنْ قال من المنافقين (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ) بتبليغك ما بلّغت في عليّ (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ) ». قال: « وهكذا نزلت »(تفسير فرات، ص497؛ بحار الأنوار، ج37، ص173.).

[5] قوله تعالى: (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [النحل: 91ـ92].

روى الشيخ القميّ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: « لمّا نزلت الولاية وكان من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) بغدير خم: سلِّموا على عليٍّ بإمرة المؤمنين (عليه السلام)، فقالوا: أَ مِنَ الله ورسوله؟ فقال لهم: نعم حقّاً من الله ورسوله، فقال: إنّه أمير المؤمنين وامام المتّقين وقائد الغرّ المحجلين، يقعده الله يوم القيامة على الصّراط، فيدخل أولياءَه الجنّة ويدخل أعداءَه النّار، وأنزل الله (عزّ وجلّ): (وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا..) يعني قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): من الله ورسوله، ثمّ ضرب لهم مثلاً، فقال: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ) »( تفسير القمي، ج1، ص389.).

 

[6] قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 192ـ196]

روى القميّ عن أبي عبد الله (عليه السّلام) في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ قال : « الولاية نزلت لأمير المؤمنين (عليه السّلام) يوم الغدير »( تفسير القمي، ج2، ص123).

[7] قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود: 12].

روى الشّيخ الصّدوق عن ابن عباس، قال: « إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا أُسري به إلى السّماء،.. قال الربّ تبارك وتعالى: أنا المحمود، وأنت محمّد، شققتُ اسمك من اسمي، فمَن وصلك وصلته،، ومن قطعك بتلته، انزلْ إلى عبادي فأخبرهم بكرامتي إيّاك، وأنّي لم أبعث نبياً إلّا جعلتُ له وزيراً، وأنك رسولي، وأنّ عليّاً وزيرك. فهبط رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكره أن يحدِّث النّاس بشيء كراهية أن يتّهموه؛ لأنّهم كانوا حديثي عهد بالجاهلية، حتّى مضى لذلك ستّة أيام، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾، فاحتمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك حتى كان يوم الثامن ، فأنزل الله تبارك وتعالى عليه ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): تهديدٌ بعد وعيد، لأمضينَّ أمر الله (عزّ وجلّ)، فإن يتّهموني ويكذّبوني فهو أهون عليَّ من أن يعاقبني العقوبة الموجعة في الدّنيا والآخرة. قال: وسلّم جبرئيل على عليّ بإمرة المؤمنين، فقال عليّ (عليه السلام): يا رسول الله، أسمع الكلام ولا أحسّ الرّؤية. فقال: يا عليّ، هذا جبرئيل، أتاني من قبل ربي بتصديق ما وعدني. ثمّ أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلاً فرجلاً من أصحابه حتّى سلّموا عليه بإمرة المؤمنين، ثمّ قال: يا بلال، نادِ في النّاس أن لا يبقى غداً أحدٌ إلّا عليلٌ إلّا خرج إلى غدير خم،.. الخ » (الأمالي، ص435).

وروى العياشي (تفسير العياشي، ج2، ص97)، والحسكاني (شواهد التنزيل، ج1، ص356.) قريباً منه.

[8] قوله تعالى: ﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: 79ـ80].

قال الشيخ القميّ: « فاجتمع قومٌ من أصحابه، وقالوا: يريد محمّد أن يجعلَ الإمامة في أهل بيته، فخرج أربعة نفر منهم إلى مكة، ودخلوا الكعبة تعاهدوا وتعاقدوا وكتبوا فيما بينهم كتاباً: إن مات محمّد أو قتل أن لا يردّوا هذا الامر في أهل بيته أبداً، فأنزل الله على نبيّه في ذلك: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من مكة يريد المدينة، حتّى نزل منزلاً يُقال له غدير خم، وقد علّم النّاسَ مناسكهم، وأوعز إليهم وصيّته إذ نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها النّاس، هل تعلمون مَن وليّكم؟..» (تفسير القمي، ج2، ص123).

[9] قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ * قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾ [سبأ: 20ـ23]

روى الشيخ القميّ عن أبي عبدالله (عليه السّلام)، قال: « لمّا أمر الله نبيّه أن ينصب أمير المؤمنين (عليه السّلام) للنّاس في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ في عليٍّ بغدير خم، فقال: مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه. فجاءت الأبالسة إلى إبليس الأكبر وحثّوا التّراب على رؤوسهم، فقال لهم إبليس: ما لكم؟ فقالوا: إن هذا الرّجل قد عقد اليوم عقدة لا يحلها شيء إلى يوم القيامة، فقال لهم إبليس: كلا، إنّ الذين حوله قد وعدوني فيه عدةً لن يخلفوني. فأنزل الله على رسوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ﴾ كنايةً عن إبليس ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾، ثم قال (عزّ وجلّ) احتجاجاً منه على عبدة الاوثان: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا﴾ كنايةً عن السّماوات والأرض ﴿مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾، قال: لا يشفع أحد من أنبياء الله ورسله يوم القيامة حتّى يأذن الله له إلّا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإنّ الله قد أذن له في الشّفاعة من قبل يوم القيامة، والشفاعة له وللأئمّة من ولده، ثمّ بعد ذلك للأنبياء (عليهم السّلام) » (تفسير القمي، ج2، ص201).

وروى الكليني (الكافي، ج8، ص344)، والعياشي (تفسير العياشي، ج2، ص301) قريباً منه.

[10] قوله تعالى: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الإنشراح: 1ـ8].

روى الشيخ الكليني عن أبي عبد الله (عليه السّلام): « .. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يتألفهم ويستعين ببعضهم على بعض، ولا يزال يخرج لهم شيئاً في فضل وصيّه حتّى نزلت هذه السورة ـ يعني سورة الإنشراح ـ، فاحتجّ عليهم حين أعلم بموته، ونعيت إليه نفسه، فقال الله (جلّ ذكره): ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾، يقول: إذا فرغت فانصب علمك، وأعلن وصيك، فأعلمْهم فضله علانيةً، فقال (صلى الله عليه وآله): مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وآل من والاه ، وعاد من عاداه ـ ثلاث مرات ـ »( الكافي، ج1، ص294.) .

وروى القمي (تفسير القمي، ج2، ص428)، وفرات (تفسير فرات، ص573ـ574) قريباً منه في تفسيرهما.

[11] قوله تعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ [التوبة: 74]

روى الشيخ القمّي عن جعفر بن محمّد (عليهما السّلام)، قال: « لمّا أقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمير المؤمنين عليّاً يوم غدير خم؛ كان بحذائه سبعة نفر من المنافقين ـ وهم أبو بكر وعمر وعبد الرّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة والمغيرة بن شعبة ـ. قال عمر: أما ترون عينه كأنّما عينا مجنون ـ يعني النبيّ ـ السّاعة يقوم ويقول: قال لي ربي، فلمّا قام، قال: أيّها النّاس، مَن أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: الله ورسوله، قال: اللّهم فاشهد، ثم قال: ألا مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه، وسلموا عليه بإمرة المؤمنين، فنزل جبرئيل وأعلمَ رسول الله بمقالة القوم، فدعاهم وسألهم، فأنكروا وحلفوا، فأنزل الله: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ..﴾ »( تفسير القمي، ص277).

وروى العياشي (تفسير العياشي، ج2، ص99) الحادثة بالتفصيل عن زيد بن أرقم.

[12] قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 8]

ورد في تفسير الإمام العسكريّ (عليه السّلام): قال العالم موسى بن جعفر (عليه السّلام): « إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا أوقف أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) في يوم الغدير موقفه المشهور المعروف.. فقام من بين جماعتهم عمر بن الخطاب، فقال: بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب، أصبحتَ مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة، ثم تفرّقوا عن ذلك، وقد وكّدت عليهم العهود والمواثيق، ثمّ إنّ قوماً من متمرّديهم وجبابرتهم تواطأوا بينهم: لئن كانت لمحمّد (صلى الله عليه وآله) كائنة ليدفعنّ عن عليّ هذا الأمر ولا يتركونه له، فعرف الله ذلك من قبلهم، وكانوا يأتون رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويقولون: لقد أقمتَ عليّاً أحبّ خلق الله إلى الله وإليك وإلينا، كفيتنا به مؤونة الظّلمة لنا والجائرين في سياستنا، وعلم الله تعالى في قبولهم خلاف ذلك من مواطأة بعضهم لبعض، وأنّهم على العداوة مقيمون، ولدفع الأمر عن مستحقّه مؤثرون، فأخبر الله (عزّ وجلّ) محمّداً عنهم، فقال: يا محمّد ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّه﴾ الذي أمرك بنصب عليّ إماماً وسائساً لأمّتك ومدبّراً ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ بذلك، ولكنهم يتواطؤون على إهلاكك وإهلاكه، يوطّنون أنفسهم على التمرّد على عليّ (عليه السّلام) إن كانت بك كائنة »( تفسير العسكري، ص112).

[13] قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: 10].

ورد في تفسير الإمام العسكريّ (عليه السّلام): قال الإمام موسى بن جعفر (عليهما السّلام): « إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا اعتذر هؤلاء المنافقون إليه بما اعتذروا، تكرّم عليهم بأن قبل ظواهرهم ووكّل بواطنهم إلى ربّهم، لكن جبرئيل (عليه السّلام) أتاه فقال: اخرج بهؤلاء المردة الذين اتصل بك عنهم في عليّ (عليه السّلام) على نكثهم لبيعته، وتوطينهم نفوسهم على مخالفتهم علياً ليظهر من عجائب ما أكرمه الله به، من طواعية الأرض والجبال والسّماء له وسائر ما خلق الله ـ لما أوقفه موقفك وأقامه مقامك ـ؛ ليعلموا أنّ وليَّ الله علياً غنيّ عنهم، وأنّه لا يكفّ عنهم انتقامه منهم إلّا بأمر الله الذي له فيه وفيهم التدبير الذي هو بالغه، والحكمة التي هو عامل بها وممضٍ لما يوجبها، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الجماعة ـ من الذين اتّصل به عنهم ما اتصل في أمر عليّ (عليه السلام) والمواطأة على مخالفته ـ بالخروج... قال (عليه السلام): فمرضت قلوب القوم لما شاهدوه من ذلك، مضافاً إلى ما كان في قلوبهم من مرض حسدهم له ولعليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال الله عند ذلك: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: في قلوب هؤلاء المتمرّدين الشّاكّين النّاكثين لما أخذت عليهم من بيعة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ﴿فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً﴾ بحيث تاهت له قلوبهم جزاءً بما أريتهم من هذه الآيات والمعجزات ﴿وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ محمداً ويكذبون في قولهم: إنّا على البيعة والعهد مقيمون »( تفسير العسكري، ص114).

 

[14] قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: 3].

قال السيد ابن طاوس: « وقال مصنّف كتاب النشر والطي: قال أبو سعيد الخدريّ: فلم ننصرف حتّى نزلت هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الحمد لله على كمال الدين وتمام النقمة ورضى الربّ برسالتي وولاية عليّ بن أبي طالب، ونزلت: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ..﴾. قال صاحب الكتاب : فقال الصّادق (عليه السلام): يئس الكفرة وطمع الظلمة »( إقبال الأعمال، ص458) .

ويدل عليه ما نقله ابن شهر آشوب عن السدي - كما سيأتي ذيل [15].

[15] قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: 7].

ورد في كتاب المناقب لابن شهر آشوب: « السديّ: لم ينزل الله بعد هذه الآية ـ يعني آية إكمال الدين ـ حلالاً ولا حراماً، وحجّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذي الحجّة ومحرم وقبض، وروى: أنّه لما نزل ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ﴾ أمره الله تعالى أن ينادي بولاية عليّ، فضاق النبيّ بذلك ذرعاً لمعرفته بفساد قلوبهم، فأنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾، ثم نزل: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ﴾، ثم نزل ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وفي هذه الآية خمس بشارات: إكمال الدين ، وإتمام النعمة، ورضا الرّحمان، وإهانة الشيطان، وبأس الجاحدين، قوله تعالى : ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾، في الخبر: الغدير عيد الله الأكبر »( المناقب، ج2، ص226) .

 

 

[16] قوله تعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: 51ـ52].

 

روى الشيخ الكليني عن حسان الجمال قال: « حملتُ أبا عبد الله (عليه السلام) من المدينة إلى مكة فلما انتهينا إلى مسجد الغدير نظر إلى ميسرة المسجد، فقال: ذلك موضع قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث قال: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، ثم نظر إلى الجانب الآخر، فقال: ذلك موضع فسطاط أبي فلان وفلان وسالم مولى أبي حذيفة وأبي عبيدة الجراح فلمّا أن رأوه رافعاً يديه؛ قال بعضهم لبعض: انظروا إلى عينيه تدور كأنهما عينا مجنون، فنزل جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية : ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ »( الكافي، ج4، ص566).

ورواه الصدوق في الفقيه (الفقيه، ج2، ص559؛ الفقيه، ج1، ص230)، والطوسي في التهذيب (تهذيب الأحكام، ج3، ص263).

هذا آخر ما وقفت عليه من الآيات النازلة بشأن حادثة الغدير، والحمد لله رب العالمين.