للوقوف على فلسفة الغيبة والأسباب التي تقف خلفها، لابد من استحضار الأسباب العقلانية القائمة على مراعات السنن الاجتماعية والتاريخية، وفي نفس الوقت لا يجوز اهمال تأثيرات السنن الغيبية بوصفها المعبرة عن ما أرده الله للإنسان في هذه الحياة، فكون الله اجرى أمور الحياة وفقاً لقوانين وسنن طبيعية لا يعني ابداً خروج الحياة عن سلطانه وقدرته والمسار الذي أراده لها، فمثلاً أرسال الأنبياء والرسل قائم على ما ينسجم مع السنن الاجتماعية بمخاطبة عقل الإنسان وضميره وحثه على اتباع الهدى واجتناب الضلال ومن ثم ترك الخيار للعباد، إلا أن ذلك لا يعني عدم تدخل الغيب بإظهار المعجزات التي تتجاوز كل قوانين الطبيعة، أو أنزال العذاب الكوني على من كفر وتجبر، الأمر الذي يكشف عن وجود نوعاً من التداخل المعقد بين سنن الغيب وسنن الشهود، ومن هنا لا يمكن دراسة القضايا المتعلقة بفلسفة وجود الحياة الإنسانية برمتها من خلال ملاحظة الأسباب الطبيعية واهمال الأسباب الغيبية، ومن الواضح أن قضية الأمام المهدي (عجل الله فرجه) جزء اصيل من فلسفة الخلقة، حالها في ذلك حال بعث الأنبياء والرسل أو قد تكون أعظم بوصفها المحطة التي تجنى فيها ثمار جهود كل الأنبياء والرسل.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

والظاهر أن الكلام عن صقل التجربة البشرية قد يقصد منه صقل تجربة الامام المهدي الشخصية، وهذا ما لا يمكن التسليم به على اطلاقه لكون الأمام هو اختيار الله وتعيينه، أي أن الله هو الذي يختار بغيبه من يكون مؤهلاً لهذا الأمر كما اختار الأنبياء والرسل، وعليه فان اختيار شخص الامام ليس موقوفاً على صقل تجربته الشخصية وإنما هو إرادة الله واختياره، ومع ذلك ليس هناك مانع من حصول فوائد تأتي من العمر الطويل وتراكم الخبرات، أو كما عبر الشهيد الصدر بقوله: (وعلى هذا الاساس نقطع النظر مؤقتاً عن الخصائص التي نؤمن بتوفرها في هؤلاء الائمة المعصومين ونطرح السؤال التالي: إننا بالنسبة إلى عملية التغيير المرتقبة في اليوم الموعود، بقدر ما تكون مفهومة على ضوء سنن الحياة وتجاربها، هل يمكن ان نعتبر هذا العمر الطويل لقائدها المدّخر عاملاً من عوامل إنجاحها، وتمكنه من ممارستها وقيادتها بدرجة أكبر؟.. إنّ عملية التغيير الكبرى تتطلب وضعاً نفسياً فريداً في القائد الممارس لها، مشحوناً بالشعور .. بالتفوق والإحساس بضآلة الكيانات الشامخة التي أعُدّ للقضاء عليها، وتحويلها حضارياً إلى عالم جديد. فبقدر ما يعمر قلب القائد المغيّر من شعور بتفاهة الحضارة التي يصارعها، وإحساس واضح بأنها مجرد نقطة على الخط الطويل لحضارة الإنسان، يصبح أكثر قدرة من الناحية النفسية على مواجهتها والصمود في وجهها ومواصلة العمل ضدها حتى النصر)[1].

أما إذا قصد منه صقل تجارب البشر لتقبل دولة العدل الكبرى، فان ذلك لا يخلو من صحة بوصفه أحد الأسباب التي يمكن رصدها وفقاً للسنن الاجتماعية والتاريخية، إلا أن ذلك لا يعد كافياً لخلق تصور أكثر شمولية إذا تم اهمال السنن الغيبية، ومن هنا كان من الضروري توسيع زاوية النظر لتشمل كلا البعدين.

فلسفة الغيبة عند الشهيد الصدر

يعتبر السيد محمد باقر الصدر من الذين قدموا تصوراً لفلسفة الغيبة انطلاقاً من السنن الاجتماعية والتاريخية، حيث رصد الشروط الموضوعية لعملية الإصلاح الكبرى التي يقوم بها الامام المهدي، ومن أهم تلك الشروط هو تهيئة الأرضية الاجتماعية لاستيعاب هذا التحول الضخم، حيث يقول: (وعلى هذا الضوء ندرس موقف الإمام المهدي عليه السلام، لنجد أن عملية التغيير التي أعد لها، ترتبط من الناحية التنفيذية، كأي عملية تغيير اجتماعي أخرى، بظروف موضوعية تساهم في توفير المناخ الملائم لها، ومن هنا كان من الطبيعي أن تُوقَّت وفقاً لذلك، ومن المعلوم أن المهدي لم يكن قد أعدّ نفسه لعمل اجتماعي محدود، ولا لعملية تغيير تقتصر على هذا الجزء من العالم أو ذاك؛ لأنّ رسالته التي ادُّخر لها من قبل الله سبحانه وتعالى، هي تغيير العالم تغييراً شاملاً وإخراج البشرية كل البشرية من ظلمات الجور إلى نور العدل، وعملية التغيير الكبرى هذه، لا يكفي في ممارستها مجرد وصول الرسالة والقائد الصالح، وإلا لتمت شروطها في عصر النبوة بالذات، وإنما تتطلب مناخاً عالمياً مناسباً، وجواً عاماً مساعداً، يحقق الظروف الموضوعية المطلوبة لعملية التغيير العالمية.

فمن الناحية البشرية، يعتبر شعور إنسان الحضارة بالنفاد، عاملاً أساسياً في خلق ذلك المناخ المناسب لتقبل رسالة العدل الجديدة، وهذا الشعور بالنفاد، يتكون ويترسخ من خلال التجارب الحضارية المتنوعة، التي يخرج منها إنسان الحضارة مثقَلاً بسلبيات ما بنى، مدركاً حاجته إلى العون، متلفتاً بفطرته إلى الغيب، أو إلى المجهول)[2].

ومن الواضح أن هذا التحليل يستصحب المعالم الطبيعية للتحولات الكبرى في الحياة الإنسانية، فإن المجتمعات لا تتحمل بطبيعتها التحولات الفجائية وبخاصة إذا كانت تلك التحولات جذرية تعمل على تغيير كل البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية والدينية، ومن هنا كانت حركات الإصلاح التي تستهدف تغيير مسار المجتمعات تعمل وفق خطة استراتيجية تستهدف الإصلاح على مراحل زمنية، وهذا أمر مقبول وقد راعت رسالات الله هذه الحقيقة وعملت على الإصلاح التدريجي، وعليه تكون غيبة الامام المهدي ضمن هذا التصور ضرورة تفرضها عملية الإصلاح نفسها.

وقد يشكل البعض بان صقل المجتمعات وتهيئة الظروف لإقامة دولة العدل الكبرى يمكن تحقيقه من غير هذه الغيبة الطويلة، وذلك بان تتأخر ولادة المهدي إلى حين استعداد المجتمعات لهذا التحول، فلماذا يولد الامام سنة 255هـ ثم تطول غيبته إلى يأتي الظرف المناسب لظهوره؟

ومن الواضح أن وجود الإمام المهدي حياً بين ظهراني هذه الأُمّة، بدل أن يولد قبل مهمته بفترة محدودة، يكرس مسؤولية الأُمّة تجاه قضيته وإقامة دولته، فالله لا يفرض إرادته على الناس وكل ما عليه هو أن يوجد لهم المصلح الذي يقودهم، ثم يبقى الأمر معلقاً على إرادة الناس، بتهيئة النفوس على طاعته والانقياد له، وحينئذ يصبح وجوده حياً في هذه الأُمّة، شاهداً على تقصيرها وإسرافها وظلمها لنفسها، وبالتالي يكون حافزاً لكل الامة يدفعها دوماً إلى الأمام، من أجل التحلي بقيم الحق والعدل والالتزام؛ لأن العمل هو الطريق إلى الفرج: (إن أفضل الأعمال انتظار الفرج)، وبالتالي يصبح الجميع مسؤولين أمام هذه المهمة.

أما إذا لم يولد بعد كما يعتقد الآخرون، فلا يكون الأمر معلقاً بإرادة الإنسان، وإنما بإرادة الله التي لم توجده بعد، فلو تخلت إرادة الله فما عساها أن تفعل إرادة الإنسان، وحينئذ يصبح الإنسان محبَطاً مستسلِماً أمام الظروف، ومستكيناً للواقع، طالما لم يكن منتظراً للفرج.

وللشهيد الصدر مقاربة أخرى لهذا الامر حيث يقول: (ولما كانت رسالة اليوم الموعود تغيير عالم مليء بالظلم وبالجور، تغييراً شاملاً بكل قيمه الحضارية وكياناته المتنوعة، فمن الطبيعي ان تفتش هذه الرسالة عن شخص أكبر في شعوره النفسي من ذلك العالم كله، عن شخص ليس من مواليد ذلك العالم الذين نشأوا في ظل تلك الحضارة التي يراد تقويضها واستبدال حضارة العدل والحق بها؛ لأنّ من ينشأ في ظل حضارة راسخة، تعمر الدنيا بسلطانها وقيمها وافكارها، يعيش في نفسه الشعور بالهيبة تجاهها؛ لأنّه ولد وهي قائمة ونشأ صغيراً وهي جبارة، وفتح عينيه على الدنيا فلم يجد سوى أوجهها المختلفة.

 وخلافاً لذلك، شخص يتوغل في التاريخ عاش الدنيا قبل أن ترى تلك الحضارة النور، ورأى الحضارات الكبيرة سادت العالم الواحدة تلو الأخرى ثمّ تداعت وانهارت، رأى ذلك بعينيه ولم يقرأه في كتاب تاريخ ..)[3]

غيبة الامام بين الأسباب والحِكمة:

البحث عن الحِكمة، ليس من باب التدخل في كشف ما هو غيب، أو معرفة ما ستره الله، حتى يكون في الأمر تدخل فيما اختص به الله لنفسه من تدبير وحِكمة، وإنما من باب معرفة ما يتصل بالإنسان من قضية الغيبة، فكما أن الحِكمة من قضية الخلق فيما يتصل بالإنسان هي العبادة، فكذلك نبحث عن الغيبة فيما يتصل بالإنسان من حِكمة، وبالتالي لا بد أن نسأل عن فكرة الغيبة ومدى انسجامها مع الحِكمة العامة للإسلام.

والمدخل الطبيعي لاكتشاف هذه الحِكمة والاقتراب منها، هو البحث عن سبب الغيبة لأنه يشكل العامل المباشر في معرفة حيثيات الغيبة، مع العلم أن معرفة ذلك لا تعني أن تكون هي ذاتها الحِكمة، أو هي السبب في استمرار هذه الغيبة.

وبالتالي لا بد أن نفرق بين السبب وبين الحِكمة، فمثلاً السبب في بناء المدرسة هو المهندس، ولكن الحِكمة من البناء شيء آخر، كما أن خروج آدم من الجنة كان بسبب أكله من الشجرة، إلا أن هناك حِكمة في ذلك الخروج كما هو معلوم، وقد تتداخل الحِكمة مع السبب في بعض الأمثلة، إلا أنه لا بد من وجود مسافة تفصل بينهما، ورغم ذلك، فإن دراسة الأسباب تصلح لأن تكون مدخلاً لمعرفة الحِكمة.

ما هو مطروح عند الشيعة، أن السبب في الغيبة هو الخوف من القتل، وقد روى الكليني في الكافي، والصدوق في إكمال الدين، مجموعة روايات عن الإمام الصادق (ع)، تشير إلى أن سبب الغيبة هو التقية والخوف على الحياة.

 وقال الشيخ المفيد في الإرشاد: خلف الحسنَ ابنُه المنتظر لدولة الحق، وكان قد أخفى مولده وستر أمره، لصعوبة الوقت وشدة طلب سلطان الزمان له، واجتهاده في البحث عن أمره، لِما شاع من مذهب الإمامة فيه وعرف من انتظارهم له، فلم يظهر ولده في حياته، ولا عرفه الجمهور بعد وفاته)[4].

واعتبر المفيد أن الظروف المحيطة بغيبة (الإمام المهدي)، أصعب بكثير من الظروف التي أحاطت بالأئمة السابقين من أهل البيت، الذين لم يختفوا عن الأنظار، وكانوا يتحصنون بالتقية، وأن سلاطين الزمان كانوا يعلمون قيام المهدي بالسيف، ولذلك كانوا أحرص على ملاحقته واستئصال شأفته، وأن السبب الذي كان يمنعه من الخروج هو قلة الأعوان والأنصار.

وأكد السيد المرتضى: إن سبب غيبته إخافةُ الظالمين له ومنعُهم يده عن التصرف فيما جُعل إليه التدبير والتصرف فيه..، فإذا حيل بينه وبين مراده، سقط عنه فرض القيام بالإمامة، وإذا خاف على نفسه وجبت غيبته ولزم استتاره([5]).

وقال الكراجكي: إن السبب في غيبة الإمام إخافة الظالمين له وطلبهم بسفك دمه، وإعلام الله أنه متى أبدى شخصه لهم قتلوه، ومتى قدروا عليه أهلكوه، وإنما يلزمه القيام بواجباته بشرط التمكن والقدرة وعدم المنع والحيلولة وإزالة المخافة على النفس والمهجة، فمتى لم يكن ذلك فالتقية واجبة، والغيبة عند الأسباب الملجئة إليها لازمة، لأن التحرر من المضار واجب عقلا وسمعاً([6]).

وحصر الطوسي أسباب الغيبة في الخوف بقوله: لا علة تمنع من ظهوره (ع) إلا خوفه على نفسه من القتل، لأنه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار، وكان يتحمل المشاق والأذى، فإن منازل الأئمة وكذلك الأنبياء (ع)، إنما تعظم منزلتهم لتحملهم المشاق العظيمة في ذات الله([7]).

ومن الواضح، أن الخصوصية التي أشار إليها هؤلاء الأعلام في المهدي دون غيره من الأئمة، هي كونه آخرهم، وبالتالي، فإن ستره حتى يتمكن من القيام بدوره أوجب من ظهوره وقتله دون الوصول إلى غايته.

هذا الكلام يشكل لنا مدخلاً لمعرفة الحِكمة من الغيبة وبخاصة أن الإمامة تمثل الامداد الطبيعي للرسالة، وبما أن الإمامة بعد الرسول (ص)، قد حصرت في اثني عشر إماماً كما جاء في البخاري ومسلم، (أن الأئمة من بعدي اثنا عشر إماماً)، وبما أنه قد مضى منهم أحد عشر إماماً، فلا بد حينئذ أن يكون خاتمهم هو الذي يقيم دولة الإسلام الكبرى، بوصفها الحِكمة النهائية لرسالة الإسلام.

وما هو معلوم، أن إقامة هذا الأمر ليس موقوفاً على وجود القائد فقط، وإنما هناك ظروف موضوعية لها علاقة بالواقع التاريخي أيضاً، فإن كانت الظروف مناسبة والنفوس مهيأة خرج، وإلا وجب حفظه إلى حين.

ولكي نقرّب الصورة السابقة، ونتعرف بشكل ملموس على سبب الغيبة وليس حكمتها، نمثل الأمر في مثال تصويري، يمكن أن يحاكي الواقع، فلو فرضنا أن هناك منطقة تعيش في الظلام، وقد حاولت الدولة أن تنير لهم الطريق، حيث جعلت لهم مصباحاً منيراً، ثم وضعت في مستودعها أحد عشر مصباحاً احتياطياً، حتى إذا تلف المصباح يمكن تبديله، والأمر الطبيعي لأهل هذه المنطقة هو الحفاظ على هذا المصباح وصونه من الكسر والتلف، إلا أنهم تعمدوا كسره بدل حفظه، ورغم ذلك لم تعاقبهم الدولة لحرصها على مصلحتهم، فقامت بإحضار المصباح الثاني من المستودع وجعلته مكان الأول، وبنفس الطريقة تم الاعتداء عليه من جديد وكسره، ولأن هذه الإدارة كانت تتعامل بحكمة متناهية وبسعة صدر لا حدود لها، قامت بإحضار المصباح الثالث وجعلته مكان الثاني، ثم تم كسره بنفس الطريقة، وهكذا الرابع والخامس حتى لم يبق في المستودع إلا مصباح واحد، فهل بعد ذلك يكون من الحِكمة أن تحضر الإدارة المصباح الأخير، الذي لا تمتلك غيره لتُعرِّضه أيضاً للكسر؟ بل الحِكمة تقتضي أن تتركهم يعيشون في هذا الظلام، حتى يعرفوا قيمة النور ويأتوا زحفاً إلى هذه الإدارة، لتضع لهم هذا المصباح.

هذا المثال التصويري يحاكي جهل هذه الأُمّة بقيمة أهل البيت، الذين جعلهم الله منارات لهداية الناس، فبين الله فضلهم ومكانتهم واختارهم أئمة وقادة للمؤمنين، فكان أولهم الأمام علي بن أبي طالب (ع)، الذي شهد البشر جميعاً بفضله ومنزلته، فبدل أن يلتفوا حوله، ويستنيروا بهدايته، وينعموا بالعدل تحت ظله، عملوا على منابذته وحربه، إلى أن وقع صريعاً في محرابه، مخضباً شيبته الشريفة بدم رأسه، ثم ابنُه الحسن (ع) الذي قتل مسموماً، بعد ما انفضَّ من حوله أكثر المسلمين، مفضّلين دنياهم التي كانت عند معاوية، ومن ثم الحسين (ع) وفاجعة الطف، التي تصور عمق المظالم التي جرت على أهل البيت عليهم السلام، ومن ثم الأئمة من ولد الحسين الذين شُرِّدوا في البلاد، وقُتلوا وقُتل شيعتُهم، ولم يبق منهم إلا آخرهم، وهو الحجة بن الحسن، الذي تُملأ الأرض عدلاً على يديه.

نحن قد لا نفهم الحِكمة من جعل الأئمة اثني عشر دون زيادة، ولكننا لا نفهم أيضاً أن يكون عددهم غير متناهٍ، فطالما جاءت الأخبار مُؤكِّدة على كون الأئمة من بعد الرسول (ص) اثني عشر، بما صحّ عند كل الفرق والمذاهب، فإن رحمة الله تقتضي الحفاظ على آخرهم، ولولا تلك الرحمة السابقة من الله، لكان يكفي أن يأخذ الله هذه الأُمّة بدم الحسين عليه السلام، كما أخذ قوم صالح بسبب ناقة، ومن هنا يمكننا أن نفهم سبب الغيبة.

ومن خلال الوقوف على سبب الغيبة يمكننا أن نجزم بأن رحمة الله بالعباد هي التي تمثل الحِكمة من وراء الغيبة، ولا يمكن أن نفهم تلك الرحمة، إلا بفهمنا للحِكمة العامة التي تقف خلف خلافة آدم في الأرض وبعث الأنبياء والرسل، والتي يمكن تلخيصها في دولة العدل والتوحيد في الأرض، بحيث لا نجد معنىً لخلافة آدم وبعث الأنبياء والرسل إلا بسط حكم الله وتنفيز إرادته العادلة، ومن يفهم الدين فهماً لا ينتهي إلى وجوب حكم الأرض بقيادة الصالحين، فكأنما يجعل جهاد الأنبياء والرسل والصالحين جهاداً بلا ثمرة، ورسالة بلا حِكمة، فبدل قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ)، تصبح أن الأرض يرثها عباد إبليس المفسدون، وهذا ما يتمناه إبليس ويعمل على تحقيقه، ومن هنا نفهم رد الله سبحانه على الملائكة عندما تخوفت من  خلافة آدم بقولها: (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ)، فرد الله بقوله: (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ)، وما لا تعلمه الملائكة وهو معلوم عند الله، يستبطن نفي كل المخاوف التي ابدتها الملائكة، وعليه يا تُرى ما هو الأمر الذي يبدد تخوف الملائكة من فساد الأرض وسفك الدماء فيها؟ من الواضح أن إقامة حكومة الصالحين وبسط العدل في كل الأرض ودحر إبليس وانصاره من المفسدين، هو الذي يمثل الرد المناسب على ما تخوفت منه الملائكة، وعليه لابد من يوم يمثل بداية انطلاق لحكومة عادلة تستوعب جميع الأرض ويطول زمان حكمها، وهذا اليوم هو ذاته اليوم الذي جعله الله نهاية لمهلة إبليس: (فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ)، فيصبح يوم الوقت المعلوم هو بداية حكومة الصالحين، وهذا مالم تكن تعلمه الملائكة التي رأت حكومة الظالمين والمفسدين، ولم تر حكومة عباد الله الصالحين، ومن هنا كانت رحمة الله بالعباد تقتضي حفظ اخر الائمة حتى تعود العباد إلى رشدها وتلجا إلى ربها.

الحِكمة من الغيبة وسنن هداية البشرية:

إذا كان الأمر كما قدمنا، وأن الأرض يرثها الصالحون، فإن المعلوم بالضرورة، أنهم عباد الله الذين اصطفاهم من أنبياء وائمة، فلا بد أن تكون هذه الدولة على يد آخرهم.

والسؤال: إذا كان الله قد اختار بعلمه منذ عالم الأزل من خلقه بعض الأنبياء والمرسلين والأئمة الطاهرين، فلماذا أخّر الله هذا الأمر إلى آخر هؤلاء المصطفين؟ ولماذا لم يقم دولة العدل على يدي أي واحد منهم، وكلهم يصلح لهذا الأمر، وخاصة منهم الأنبياء أولي العزم، وآخرهم النبي محمد (ص)؟ 

ولكي نتمكن من الإجابة على هذا السؤال، الذي يمهد لنا الطريق إلى فهم الغيبة والحِكمة منها، لا بد أن يرتكز فهمنا على وجود حِكمة من بعث الأنبياء والرسل، وأن بعثهم لم يكن عبثاً، وإنما لتحقيق هدف يشترك فيه كلهم، بحيث يقتضي هذا الهدف ترتيبهم على الشكل الذي تم، وإذا أصبح هذا الأمر من بديهيات وعينا الديني، تصبح الإجابة لدينا واضحة، وهي كما يلي:

أولاً: إن إرادة الله تعالى هي التي ترسم هذه الأهداف للأنبياء والرسل، وليس لإرادة الإنسان حق في تغييرها أو تبديلها، وأن وظيفة الأنبياء هداية الناس لهذه الأهداف وحثهم على تحقيقها.

ثانياً: إن إرادة الإنسان هي المسؤولة عن تطبيق هذه الأهداف، وإنزالها إلى أرض الواقع، وهي الأمانة التي حمّلها الله للإنسان، بعد أن أشفقت عن حملها السماوات والأرض: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً)([8])، فحمل الإنسان المسؤولية دون أن تتدخل إرادة الله تعالى لإكراهه عليها، وبذلك أصبح الإنسان حر الاختيار، ومسؤولاً عن اختياره: (أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ؟)([9]). 

ثالثاً: إن سنة الله في هداية الناس قائمة على التدرج في كشف الحقائق وتوضيح الأمور، وصولاً إلى الهدف النهائي. 

رابعاً: إن الهدف النهائي لكل الأنبياء، هو التوحيد في كل الأرض، بحيث لا يبقى هناك مشرك، وإقامة العدل والقسط في الأرض، بحيث لا يكون هناك ظلم أو فساد، وفي المقابل هناك إبليس الذي هدفه الشرك، وإقامة الفساد وسفك الدماء في الأرض.

خامساً: إن الوصول إلى الغاية التي هدف إليها الأنبياء، ليس موقوفاً على إرادة الله فقط، وإنما أجرى الله الأمور بأسبابها الطبيعية، فطالما أن إرادة الإنسان هي المسؤولة عن تطبيق هذه الأهداف، فإن إرادة الله تقتضي إرسال الأنبياء للناس لهدايتهم وإرشادهم لما فيه صلاحهم، وإرادة الإنسان يدور أمرها بين الطاعة والانقياد لهم، وبين الجحود والكفر بهم، أو حتى محاربتهم وقتلهم، قال تعالى: (إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)([10]).

والجمع بين هذه النقاط، يتضمن الإجابة على السؤال الذي تقدم، فالأمر ليس موقوفاً على إرادة الله فقط، ولو كان كذلك لخلق الله الناس مؤمنين مطيعين كما جعل الملائكة، وإنما امتحن الله خلقه بطاعة رسله، ولم يجبرهم على هذه الطاعة، ولكن الإنسان تمرد بظلمه وجهله على أنبياء الله ورسله وتبع أهواءه التي زينها له إبليس، وليس لنا أن نتوقع أن ينوب الله عنا في محاربة الظلم والفساد الذي انتشر، لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

ومن لم تتضح له الإجابة بعد، نرجع به إلى نفس المثال التصويري الذي قدمناه، فعندما لم يبق في مستودعات الإدارة، إلا مصباح واحد من مجموع اثني عشر مصباحاً كما مثلنا، فحينئذ يصبح إخراج هذا المصباح وتعريضه للكسر إفشالاً لخطة الإدارة، بما يعني فقد الأمل نهائياً في أن ترى تلك المنطقة نوراً، أما حفظه وعدم إخراجه فيمثل أملاً في أن تضاء تلك المنطقة، إذا عرف أهل هذه المنطقة قيمة هذا المصباح.

والأمر نفسه مع بقية الله الموعود بإقامة العدل ودولة التوحيد، فإن الله لم يصطفِ جميع خلقه، وإنما اصطفى عدداً محدوداً منهم، فعندما أظهرهم الله جميعاً، تعامل الناس معهم بظلمهم وجهلهم، ولو اتّبع الناس جميعاً أيَّ واحد من هؤلاء المصطفين، لأقاموا دولة العدل والتوحيد، ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم.

فالحِكمة تقتضي حفظ آخر هؤلاء المصطفين، حتى يعرف الناس فضله ومكانته، حين تحير بهم السبل وتسودُّ الدنيا أمامهم، وبعد أن تُملأ الدنيا ظلماً وجوراً، حينئذ تتعلق القلوب بالمنقذ الذي أعده الله لإقامة العدل والقسط.

وعليه فان السنن الغيبية هي التي تدخلت لحفظ أخر المصطفين من عباد الله المخلصين وحجبته عن الأنظار وامدت في عمره الشريف ليكون شاهداً على كون الله أكثر حرصاً منا على هدايتنا، وإن رحمته بالعباد تقتضي أن يتركهم لأنفسهم ليعرفوا أن بعدهم عن الله لا يجلب إلا الشقاء والحرمان، وعندما يرجعوا لله طائعين مسلمين لأوليائه حينها يأتي الفرج وتقام دولة الحق، وبذلك تكون السنن الطبيعية وسنن الغيب هي التي أوجبت غيبة الامام عليه السلام.

الخاتمة:

من الواضح أن هناك تداخل بين سنن الغيب وسنن الشهود، وإن جميع هذه السنن تحقق فيما بينها ما أراده الله للإنسانية، وقضية الامام المهدي (عليه السلام) وفلسفة الغيبة لا يمكن استيعابها بحسب السنن الطبيعية فحسب، كما أن السنن الغيبية لا مجال لمعرفتها إلا بمقدار ما كشف القرآن عنه، وقد اكدت لنا سنن الغيب مع الأنبياء بأن الله يلغي سنن الطبيعة إذا توقف اظهار الحق على ذلك، مثل المعاجز التي يظهرها الله حرصاً على هداية الناس، وعليه هناك جانبان في قضية الغيبة، الجانب الغيبي الذي لا نعرف منه إلا القليل ولكننا نطمئن بوجوده، والجانب الاخر وهو السنن الطبيعة المتعلقة بالشروط الموضعية لإنجاح المشروع، وعليه يمكننا أن نقول إن الحِكمة من الغيبة في جانبها الغيبي هي الرحمة بالعباد وفي جانبها الطبيعي هي توفر الشروط الموضوعية والتي من بينها صقل التجربة البشرية وتهيئة الأنصار الذين يقيم بهم الامام دولة العدل الكبرى.

 


[1] - بحث حول المهدي، محمد باقر الصدر، ص 85.

[2] - بحوث حول المهدي ص 79-80.

[3] - بحث حول المهدي، ص 86

[4] - الارشاد – الشيخ المفيد ج2 ص 336

[5] - رسائل المرتضى 2/295.

[6] - كنز الفوائد ص173.

[7] - الغيبة ص 329.

[8] - سورة الأحزاب/72.

[9] - سورة هود/28.

[10] - سورة الإنسان/3.