المتأمل لدعوة النبي الاكرم محمد (ص) منذ لحظتها الاولى  حين كان بمفرده وحتى النصر المؤزر الذي حققه بفتح مكة ومن ثم قيام دولته في عموم أنحاء الجزيرة العربية، يجد أن انتصاره الهائل ذاك ليتلاءم مع طبيعة الثورة كحركة في التاريخ.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

حيث أنه نسف عقيدة موغلة في عقول ونفوس جاهليين بدو واستطاع أن يوحد قبائلهم التي كانت حياتها عبارة عن صراع دموي دائم، ومن دون أن تكون هناك أية مقدمات مادية لذلك التوحد، علاوة على حروبه التي خاضها مع المشركين كبدر وأحد والأحزاب وحنين، فقد كان ميزان القوى فيها والحسابات العسكرية لصالح المشركين تماما، ومع هذا فقد عجزت قريش عن النيل منه. مما يدل على أن يدا غيبية هي التي مكنته من الانتصار والغلبة، وهذه اليد ذاتها سترعى حركة الامام المهدي (عج) وتمكنه من الانتصار على كل القوى العالمية المناوئة، مع فارق فيما قام به النبي الاكرم (ص)  عند انتصاره وما سيقوم به الإمام المهدي (عج) وهو أن النبي محمد رغم علمه بأن مشركي قريش مازالت نفوسهم تمور بمشاعر الطغيان والشر ومصممون على الانتقام وتهديم الصرح الاسلامي الذي شيده، إلا إنه عفا وغفر وقال لهم (إذهبوا فأنتم الطلقاء)، وذلك لأن رواحل الانسانية مازالت تخب في مسار الحياة، ومازال القانون الالهي المتمثل بقوله تعالى (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) ساري المفعول. فيما يقوم الامام المهدي (عج) عند ثني الوسادة له، باستئصال شأفة الطغاة الاشرار الذين يبيتون النية على إعاقة مشروع الاصلاح العالمي الذي يقوده، وذلك لانه (عج) يمثل الحلقة الاخيرة من مسار التاريخ، وأنه المختار من قبل الله لتنجز على يديه مشيئتُه سبحانه في إقامة دول العدل الشامل وتحقيق وعد الله بقوله  (وَنُرِيدُ أن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص5).

 وإذا ما أزيحت أقطاب الطغيان العالمي عن وجه الارض، بكل ما كان منهم من جهود سلبية جبارة تثقل كاهل المجتمع البشري بعوامل التخلف والفساد صار بوسع قوى الخير أن تحرك آلياتها بيسر بالغ، ومع بزوغ شمس الإصلاح العالمي بكل ما فيه من دلائل الخير والسعادة تبدأ المجتمعات البشرية بالالتفاف حول الامام المهدي وكادره المتعالي، فتقوم دولته المباركة على ركائز منها:

1ـ العدل الشامل: إضافة الى القضاء على معاقل الطغيان والفساد، فإن الاجهزة القضائية في دولة الامام المهدي عج، لن تقوم محاكمها على أساس من النمط الذي اعتيد في القضاء والقائم على أساس اليمين والبينة والحكم الظني، بل على أساس من الحكم الواقعي، حيث يعلمه الامام، يقول الامام الباقر ع "أما والله ليدخلن عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحر والقرّ".          

ليكون هذا العدل الشامل، بعد ذلك، الخطوة الاولى التي ينتج عنها الازدهار الاقتصادي الهائل، حيث أنه:

أ- حين تتعطل كل أسباب استنزاف الثروات والطاقات الاقتصادية والبشرية من حروب دائمة تكبد المجتمع البشري خسائر هائلة وينفق عليها وعلى مستلزماتها من تسليح وغيره المليارات، بالإضافة الى توقف الكثير من الانشطة الاقتصادية غير المشروعة مثل تجارة الجنس والقمار التي طالما شكلت مافيات ضخمة تهدر اموالا لاحصرلها.

ب ـ البشرية طوال قرون طويلة من عمرها اتبعت سياسات خاطئة أهدرت بسببها طاقات هائلة مثل الرق الذي حال بين ملايين الملايين من العبيد وبين تحقيق امكانياتهم ومواهبهم، والعنصرية، وما تدأب عليه الدول القوية من إغراق الدول الضعيفة في التخلف بمنع طاقاتها وأصحاب المواهب فيها من تحقيق نهضتهم، كما هو الحال بالنسبة لامريكا واوربا حيال الدول العربية والافريقية منذ عهد الاستعمار الى اليوم.     

ج ـ عند تحقق الجنبة الاخلاقية في النشاط الاقتصادي، وتوفر القيم الفاضلة من نزاهة وصدق سيكون لها الأثر الكبير في نمو المكاسب وازدهار الاقتصاد.

د ـ تحقق العولمة الحقيقية والتي تعتمد التعامل مع سكان الارض ككل واحد يعمل على الاستفادة من كل مافي الارض من خيرات وموارد، لا كما هو الحال في العولمة الغربية القائمة على استغلال الشعوب الضعيفة واستغلال خيراتها لصالح القوى العظمى.

2ـ الابداع الفكري والعلمي، ويتمثل بـ:

ا- مسيرة الإنسان العلمية مرت بمحطات هامة كانت بمثابة قفزات هائلة في طريق التطور والاكتشاف، مثل الفلسفة التجريبية لبيكون واختراع الكهرباء واكتشاف الذرة والالكترونيات وغيرها، يعني أن العالِم الذي كان يبحث قبل اختراع الكهرباء والالكترونيات سيختلف عمن جاء بعد ذلك سعة وقدرة وانتاجا، وهذه المحطات تسمى بالأحرف، فإذا ماجاء القائم عج زاد عليها أضعافا. يقول الامام الصادق ع ( العلم سبعة وعشرون حرفا، فجميع ماجاءت به الرسل حرفان، فلم يعرف الناس حتى اليوم غير حرفين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفا فبثها في الناس، وضمّ اليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفا).   

ب - النبوغات والظواهر العقلية الخارقة التي نراها عند أفراد متميزين، هي في حقيقتها القاعدة التي عليها طبيعة الانسان، ولكن المسار الخاطئ والظروف غير البناءة هي التي تعيق ظهور الانسانية بهذا المستوى المتعالي، ولتقريب الفكرة: منظومة التعليم حين تكون قائمة على أسس صحيحة من نتائج علم النفس والتربية ـ كما هو الحال في اليابان مثلا ـ وغيرها تكشف عن نسبة أعلى في الطلاب الموهوبين والمواهب العلمية والفكرية.

ج ـ الدور الفعال لبناء الجانب المعنوي والإيماني في تكامل الانسان معرفيا، فالبناء الروحي له الأثر الكبير في طاقة الانسان على النفوذ في حقائق الاشياء، يقول النبي الاكرم صلى الله عليه واله ( غضّوا أبصاركم تروا العجائب) ولما كان إنسان عصر الظهور على مستوى عال في هذا البناء، ستكون له القدرة الفائقة  في المعرفة.

د ـ القيادة الفذة لحامل العلم الإلهي الامام المهدي عج في قيادة المجال العلمي والمعرفي، سيكون لها الدور الجبار في مسار البحث العلمي، فمثلا فيما يبذله علماء الأحياء من جهود مضنية في تصنيف الحيوانات كأصناف وشعب، يروى عن الامام الصادق ع أن احدهم قال له انه يعمل على تصنيف الحيوانات الولودة عن التي تبيض فأجابه الامام ع أن هذا العمل لايستدعي جهدا فاكتب أن كل حيوان له آذان طويلة فهو ولود والذي له آذان لاصقة فهو بيوض، ذلك تقدير العزيز العليم. إن الصقر من فصيلة الحيوانات السائمة وله آذان ملتصقة برأسه فهو بيوض والسلحفاة فهي على الرغم من شكلها فهي تبيض أيضا وأما الخفاش فبما أن له آذان طويلة ومرتفعة وغير لاصقة في رأسه فهو من فصيلة الحيوانات الولودة.

3ـ اختفاء الأمراض والعلل والعاهات وكل الشرور وذلك بانتفاء أسبابها، فلما كان عصر الظهور هو العصر الذي يتم فيه التعامل مع الطبيعة بشكل نموذجي، فإن دواعي الامراض والظواهر الطبيعية السلبية كلها ستتلاشى. يقول الامام الباقر ع ( إذا قام القائم أذهب الله عن كل مؤمن العاهة ورد اليه قوته )

4ـ ظلوع الجانب الغيبي بما يعرف بالبركات من الله، في مد الحياة بألوان الخير والنمو، بعد أن تلاشى حاجز المعاصي والآثام التي كانت حائلا بين الناس وبين نزولها. يقول الامام الصادق ع ( ولينزلن البركة من السماء الى الارض حتى أن الشجرة لتقصف بما يريد الله فيها من الثمرة، ولتأكلن ثمرة الشتاء في الصيف وثمرة الصيف في الشتاء وذلك قوله تعالى (ولو أن اهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون).