ما صحَّة ما يُنقل في مقتل الأكبر (ع) أنَّه حين رجع إلى الحسين (ع) يشكو العطش قال له: ضعْ لسانك على لساني؟

أورد ذلك الخوارزمي في كتابه مقتل الحسين (ع) قال: "ثمّ رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحاتٌ كثيرة فقال: يا أبت! العطش قد قتلني وثقل الحديد قد أجهدني، فهل إلى شربةٍ من ماء سبيلٌ أتقوّى بها على الأعداء؟ فبكى الحسينُ (عليه السلام) وقال: يا بُنَيَّ! عَزَّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى عَليٍّ وَعَلى أَبيكَ، أَنْ تَدْعُوهُمْ فَلا يُجيبوُنَكَ، وَتَسْتَغيثَ بِهِمْ فَلا يُغيثُونَكَ، يا بُنَيَّ! هاتِ لِسانَكَ. فأخذ لسانَه، فمصّه، ودفع إليه خاتمه وقال له: خُذْ هذَا الْخاتَمَ في فيكَ وَارْجِعْ إلى قِتالِ عَدُوِّكَ، فَإِنّي أَرْجوُ أَنْ لا تُمْسي حَتّى يَسقيَكَ جَدُّكَ بِكَأسِهِ الأَوْفى، شَرْبَةً لا تَظْمَأُ بَعْدَها أَبَدًا"(1).

تفرُّد الخوارزمي بنقل الزيادة:

ولم أجد غيرَه -ممَّن تصدَّى لبيان تفاصيل مقتل عليِّ بن الحسين الأكبر(ع)- مَن ذكر ذلك، وهو ما يمنع مِن الوثوق بصحَّة ما أورده خصوصًا وأنَّ غيره قد تصدَّى لبيان الواقعة -كالشيخ الصدوق والقاضي النعمان في شرح الأخبار، وابن أعثم في الفتوح، وابن شهراشوب، وابن نما الحلِّي والسيد ابن طاووس(2)– إلا أنَّهم لم يذكروا سوى أنَّ الإمام الحسين (ع) قد أجابه بقوله: "صبرا يا بُني، يسقيك جدُّك بالكأس الأوفى"(3) أو ما يقربُ من هذا المعنى.

فعدمُ ذكرِهم للخصوصيَّة الزائدة في الواقعة وهي مصُّ اللسان والخاتم التي ذكرها الخوارزمي -رغم أنَّها الأكثرُ إثارةً في الواقعة ورغم عدم وجود ما يقتضي الإغفال لذكرها- يسلبُ الوثوق بصدق هذا المقدار من الواقعة المذكورة.

والمُلفت أنَّ النصَّ الذي نقلَه ابنُ نما الحلِّي والسيِّدُ ابن طاووس للواقعة يُطابق تقريبًا ما نقله الخوارزمي إلا أنَّهما لم ينقلا الخصوصيَّة الزائدة التي ذكرها الخوارزمي، فإمَّا أنْ يكونا قد نقلا الواقعة عن الخوارزمي فعدم نقلهما لهذه الخصوصيَّة الزائدة لا يخلو إمَّا لعدم ورودها في النسخة التي وصلتهما أو لعدم وثوقهما بصحَّتها وعلى كلا التقديرين يكون ذلك معزِّزًا للارتياب في صحَّة هذه الزيادة، وإمَّا أنْ يكون الجميع قد نقل الواقعة عن مصدرٍ واحد والأقرب أنَّه الفتوح لابن أعثم لتقارب ألفاظ النص، وهو خالٍ من الزيادة المذكورة، أو أنَّهم قد نقلوا من مصدرٍ آخر مشترك بين الجميع، فلماذا لم يذكر ابنُ نما والسيِّدُ ابن طاووس هذه الزيادة رغم أنَّها الأكثر إثارة، ورغم أنَّ الدواعي مقتضية للنقل، فعدمُ النقل لا يخلو إمَّا لعدم الوجود أو لعدم الوثوق.

ما هو الغرض من وضع لسانه على لسانه:

ثم إنَّه لم يتَّضح الغرضُ من وضع لسانِه على لسانه وإعطائه الخاتم ليضعَه في فمِه، فهل هو لغرض إطفاء عطش الأكبر (ع) من طريق الإعجاز؟ لو كان ذلك هو الغرض لارتوى عليٌّ الأكبر (ع) دون ريب، فالحسينُ (ع) أكرمُ مَن على وجه الأرض على الله تعالى إلا أنَّ من المُحرَز أنَّ الإمام الحسين (ع) لو فعلَ ذلك مع ابنه الأكبر لفعلَه مع القاسم وعبد الله وعون وجعفر وعبد الرحمن ومحمد وغيرهم من الشهداء خصوصًا مَن كان منهم في مقتبلِ العمر، فجميعُ هؤلاء الكِرام قد أخذَ العطشُ منهم مأخذًا عظيمًا، ولو كان قد فعلَ ذلك لتناقلته الرواة لتوافر الدواعي لنقلِه وانتفاء الموانع، فكيف لم يصلْ من ذلك عينٌ ولا أثر.

ولو كان الغرضُ من وضعِ لسانِه على لسانه هو تسلية الأكبر (ع) أو إقناعه بأنَّ الحسين (ع) مثله عطشان فإنَّ هذا الاحتمال في غاية البُعد، فإنَّ ذلك لو كان هو الغرض فما معنى إعطائه الخاتم ليضعَه في فمه؟!

على أنَّ توهُّم احتياج الأكبر لذلك ليقتنعَ أنَّ الحسين (ع) مثله عطشان وأنَّه لا سبيل إلى شيءٍ من الماء، توهُّمُ ذلك لا يخلو من إساءةٍ لمقام عليٍّ الأكبر (ع) الموصوف في الزيارة الناحية بأنَّه حجَّةُ الله وأمينُه(4) وبأنَّه الأشبهُ برسول الله (ص) سَمتًا كما في رواية الصدوق(5) وبأنَّه الأشبه برسوله (ص) في أخلاقه ومنطقه(6)، إنَّ مَن يحظى بهذا المقام السامي لا يحتاج للإذعان بالحالة التي عليها الحسين (ع) لغير الملاحظة لشاهد الحال.

الوجه في شكاية العطش للحسين (ع):

وأمَّا قوله لأبيه: العطش فهو من بثِّ الشجون الذي يتَّفق صدورُه من العطشان تلقائيًا، فلم يكن غرضُه من ذلك هو الطلب الجِّدي للماء من أبيه (ع) لعلمِه أنَّ ذلك غيرُ متاح. أو أنَّه أحبَّ أنْ يَسمعَ من أبيه المتَّصل بعالم الغيب بشارةً تُهوِّنُ عليه ما يجدُ، وتُحفِّزه وتشدُّ من عزمِه، فإنَّ المجاهدَ القادم على الموتِ المحتوم يُعجبُه السماع للحديث عن العاقبة الخيِّرة التي تنتظرُه.

ولعلَّه لذلك كان الإمام الحسين (ع) يُكثر من مخاطبة المجاهدين بمثل هذه البشائر كقوله (ع) –وهو الذي لا يُحجبُ له دعاء ولا تُردُّ له شفاعة- كقوله (ع) لابن المهاصر الكندي: "اللهمَّ سدِّد رميتَه واجعل ثوابَه الجنَّة"(7).

وكقوله (ع) لعمرو بن قرظة الأنصاري والذي كان يتلقَّى السهام بيده ومهجته كي لا تصل إلى الحسين (ع) فحين أثخنته الجراح قال: أوَفيتُ يابنَ رسول الله فقال (ع): "نعم أَنْتَ أَمامي فِي الْجَنَّةِ، فَاقْرَأْ رَسُولَ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله) عَنّي السَّلامَ، وَأَعْلِمْهُ أَنّي فِي الأَثر"(8).

وكقوله (ع): لحنظلة الشبامي وقد خاطب الحسين بقوله: "أفلا نروحُ إلى ربِّنا ونلحقُ بإخواننا" فقال (ع): "بلى رُحْ إلى ما هو خيرٌ لك من الدنيا وما فيها، وإلى ملكٍ لا يَبلى"(9).

وكقوله (ع): للحرِّ بن يزيد ودمُه يشخب: "بخٍ بخٍ يا حرُّ، أنت حرٌّ كما سُمِّيت في الدنيا والآخرة"(10).

وكتلاوته (ع) عند مصرع مسلم بن عوسجة لقوله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)(11)(12).


الهوامش:

1- مقتل الحسين - الخوارزمي - ج 1/ ص 35.

2- الأمالي – الشيخ الصدوق- ص 226. روضة الواعظين – الفتال النيسابوري- ص188، الفتوح – ابن أعثم- ج5/ ص 115، مناقب آل أبي طالب- ابن شهراشوب- ج3/ 257، شرح الأخبار- القاضي النعمان المغربي- ج3 / 153، مقاتل الطالبيين – أبو الفرج الأصفهاني- ص77، مثير الأحزان – ابن نما الحلِّي- ص 51، اللهوف – السيد ابن طاووس – ص 67.

3- الأمالي – الشيخ الصدوق- ص 226. روضة الواعظين – الفتال النيسابوري- ص188.

4- جامع أحاديث الشيعة – البروجردي- ج12/ ص 495، بحار الأنوار- المجلسي- ج45 / ص 65.

5- الأمالي – الشيخ الصدوق- ص 226. روضة الواعظين – الفتال النيسابوري- ص188.

6- الفتوح – ابن أعثم- ج5 / ص 114، مثير الأحزان – ابن نما الحلي- ص 51/ اللهوف – السيد ابن طاووس- ص 67.

7- تاريخ الطبري -الطبري- ج4/ ص340 / التاريخ – ابن الأثير- ج4/ ص 73.

8- مثير الأحزان – ابن نما الحلي- ص 45/ اللهوف – السيد ابن طاووس- ص 64.

9- اللهوف – السيد ابن طاووس- ص66، مثير الأحزان – ابن نما الحلي- ص48 مع اختلاف يسير، تاريخ الطبري- الطبري- ج4/ ص338.

10- الأمالي – الشيخ الصدوق- ص 223. روضة الواعظين – الفتال النيسابوري- ص202. أنساب الأشراف - البلاذري-قريب من النص المذكور ج12/ 159، الفتوح - ابن أعثم- ج5/ 102

11- سورة الأحزاب / 23.

12- الإرشاد – المفيد- ج2/ ص 103، المزار، زيارة الناحية المشهدي- ص 492، مثير الأحزان – ابن نما الحلِّي- ص 47.