في مجتمع اليوم؛ يُعدُّ انتشار التلفاز حقيقةً لا جدال فيها؛ فمنذ اختراعه قبل 60 عامًا يُعدُّ التلفاز مُسيئًا إلى عقول الأطفال وذا تأثير سلبي فيهم؛ فكانت تسميته غير الرسمية الشائعة سابقًا في الولايات المتحدة " boobtube "  أي بمعنى "أنبوب أحمق" إشارة إلى حماقة البرامج التلفزيونية والجمهور؛ إضافةً إلى تمثيل صورة تلفزيونات ذلك العصر التي تحتوي على أنابيب للعرض.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

وفي السابق لم يكن هناك أجهزة تلفاز إلا في عدد محدود من المنازل؛ ولكن يمكننا القول الآن أنَّ هناك أجهزة تلفاز في كل منزل تقريبًا، ونتيجة لهذه التطورات التكنولوجية؛ تتسلل الرسائل من شاشات التلفاز إلى المنازل وتؤثر في الأطفال ولا سيما أولئك الذين لم تتكوّن عندهم آليات الدفاع بعد.

ولكن مع تطور الأبحاث والدراسات عن البرامج التي تُعرَض عليه وتأثيرها في عقول أطفالنا؛ اكتُشِف أن التلفاز سلاح ذو حدَّين؛ يمكن أن يكون مفيدًا في بعض الأوقات وسيئًا في أخرى؛ ذلك وفقًا لنوعية البرامج التي تُعرضُ عبره وليس وفقًا لعدد ساعات المشاهدة فقط.

فإذا اقتصرنا بدراستنا على الرسوم المتحركة وتأثيرها في عقول الأطفال؛ نجدُ أنَّها تُكوّن عصبًا أساسيًّا في التنشئة الاجتماعية للطفل؛ ففي دراسة أُجرِيت في 18 مدرسة في تركيا على تلاميذ الصف الخامس الابتدائي الذين كان عددهم 1121 طالب وطالبة ، نُفِذت استبانة عن طريق المقابلات الشخصيَّة مع الطلاب التي استمرت قرابة 15 دقيقة لكل طالب؛ إذ طُرِح 20 سؤالًا على كل منهم لجمع البيانات.

 

وأظهرتِ النتائج الديموغرافية أنَّ 51.3% من الطلاب المشاركين كانوا ذكورًا و 48.7% إناثًا، وكانت غالبية هؤلاء الطلاب في عُمر الحادية عشرة .

وقد بينت هذه الدراسة في أثناء مقارنة المدة اليومية لمشاهدة التلفاز بينهم ووفقًا لنوع الجنس أنَّ 71.2% من الإناث و 66.2% من الذكور يشاهدون الرسوم المتحركة مدةً لا تقلُّ عن ساعة يوميًّا، ويعود السبب في ذلك إلى أنَّ قطاع الرسوم المتحركة يَعرِف كيف يجذب انتباه الأطفال جيدًا وهو دائم السعيِّ إلى تطوير نفسه وتطوير المادة التي يُقدِمها؛ ففي الرسوم الكرتونية المُقدمَة والمُوجهَة للفتيات نجدُ الشخصيات محور الإهتمام جميلة جدًا وذات شعبية كبيرة وهذا يلفت انتباه الفتيات اللواتي على وشك دخول مرحلة البلوغ؛ فقد تبين أنَّ الفتيات يدخلن سن البلوغ قبل الأولاد، ويرين أن هذا النوع من الرسوم يُرضِي رغباتهن في كونهن محبوباتٍ ومُقدَّرات؛ لذلك يُعتقَد أنَّ الأطفال الإناث يُشاهدن الرسوم المتحركة فترة أطول من الأطفال الذكور.

وعندما قسَّموا أنواع الرسوم المتحركة إلى قسمين؛ الأول: رسوم تحتوي عنفًا وإبرازًا لجانب السلطة، والثاني: كان تعليميًّا وعاطفيًّا؛ فقد أظهرت النتائج أنَّ 30.1% من الإناث و 83.1% من الذكور اختاروا القسم الأول، و 69.9% من الإناث و 16.9% من الذكور اختاروا القسم الثاني.

ونظرًا إلى أنَّ مستويات تعليم والدي الأطفال ضمن نطاق هذه الدراسة كانت منخفضة جدًّا؛ فمن الممكن أنهم لم يقيدوا أطفالهم أو ينتبهوا إلى البرامج التي يشاهدونها على التلفاز؛ لذلك فإنَّ الأطفال الذكور شاهدوا الرسوم المتحركة المُوجهِة للعنف أكثر من الإناث.

وعندما قُورِن بين السمات الأكثر تأثيرًا في الرسوم التي يشاهدها الأطفال لُوحِظ ما يأتي:

5.5%  من الإناث و 20.8% من الذكور تأثروا بتصرفات الشخصيات الكرتونيَّة.

25.3% من الإناث و 29.9% من الذكور تأثروا بسلوكيات استثنائية (غير عادية) لدى الشخصيات الكرتونيَّة.

10.3% من الإناث و 9.1% من الذكور تأثروا بالكلمات التي تقولها الشخصيات.

16.4% من الإناث و 7.8% من الذكور تأثروا بالموضوع التي تطرحه تلك البرامج.

10.3% من الإناث و 5.2% من الذكور تأثروا بالموسيقا الموجودة في تلك البرامج .

ووفقاً لنتائج هذه الدراسة تبيَّن أنَّ الأطفال الذكور كانوا أكثر تأثرًا بالسلوكيات والأعمال غير العادية لشخصيات الكارتون، والأطفال الإناث تأثروا أكثر بكثير بكلمات الشخصيات والموسيقا في الكرتون، إمَّا بسبب التأثير الكيميائيِّ للهرمونات، وإمَّا التأثير العاطفي الذي تُسببه البيئة الاجتماعيَّة، ويصبح الأطفال في سنِّ المدرسة الابتدائية أكثر وعيًّا بالتمييز الجنسي، ولذا؛ يبدأ التركيز بين الجنسين، وكذلك يُعتقد أنَّ الرسالة التي تُقدِمها "لعبة الطفل" التي تُشتَرى للأطفال الإناث منذ طفولتهن، و"لعب السيارة والأسلحة" التي تُشتَرى للأطفال الذكور تعكس اختيارهم الرسوم المتحركة عندما يكبرون.

- ويؤدِّي التقليد دورًا مهمًّا في تكوين سلوكيات الطفل، والميل إلى تقليد الآخرين قويٌّ جدًّا في البشر وخاصَّةً لدى الأطفال؛ فالقدرة على تكييف عقول الأطفال برؤية واقعية تستند إلى التلفاز يُمكن أن تؤثرَ في تصورات الطفل بالنسبة للجنس والقوالب النمطيَّة والتنوع في المجتمع؛ فالطفل يراقب شخصياته الكرتونية في أثناء تمثيلها حركات العنف والسيطرة على أعدائها؛ فيتعلم منهم الصراخ والانتقاد ورمي الحجارة على الناس وإظهار العنف لمن حوله؛ ومن ثَمَّ فإنَّ الدراسة المعروضة تُبيَّن أنَّ نسبة الذكور الذين يقلدون شخصياتهم الكرتونية بلغت 53.9% أما الإناث فبلغت النسبة 38.4%.

وقد أُخضِع الطلاب المشاركون لتجرِبة مُمتعة بجعلِهم يشترون قرطاسيات وأدوات خاصة بالمدرسة وتخييرهم بين أن يشتروا أغراضًا عليها شخصياتهم الكرتونيَّة المفضلة وبين قرطاسيات عادية؛ فكانت نسبة التجربة أنَّ 82.5% من الذكور و 80.8% من الإناث اشتروا أدوات قرطاسية مرتبطة بشخصيات كرتونيَّة، واليوم من المعروف أنَّ المنافسة كبيرة للغاية سواءً في قطاع لعب الأطفال أو منتجات القرطاسيَّة؛ فيمكن للأطفال تخيُّل ما يريدون شراءه وما على المصنع إلا تصنيعه لهم، ولذلك تُعدُّ عادات شراء الأطفال فيما يتعلق ببنود القرطاسيَّة المتعلقة بشخصياتهم الكرتونيَّة المفضلة لا تعتمد على جنس الطفل.

إنَّ التحديات التي يواجهها أولئك المهتمون ببناة المستقبل (الأطفال) تحديات واضحة وحقيقية؛  فلا يمكنك أن تلغي ببساطة وجود التلفاز من حياة الطفل نهائيًّا ولا يمكنك أن تعطيه الحرية الكاملة لمشاهدة ما يريد دون رقيب أيضًا خاصةً وأنه في عُمرٍ حرِج جدًّا.

فيمكن للقائمين بصناعة البرامج التلفزيونيَّة أن يشرعوا في إجراء تغييرات سواء في التنظيم أو في الخيارات التي تُجرَى عند التوظيف أو نواحٍ أخرى؛ لتغييرما قد يكونُ قوالبَ نمطيةً ضارةً في منتجاتها ولجعل عروض الكرتون أكثر قابلية للتطبيق في الحياة الواقعية وأكثر دِقةً؛ فلا ينتهي الأطفال المتأثرون بها إلى تصورات خاطئة عن التمثيل الجنساني للكائن البشريّ.

المصدر: مواقع إلكترونية