ظاهرة الإسراف وظروف الأسرة المتغيرة

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»

*د . خولة القزويني

 وصل الإسراف والتبذير في مجتمعنا إلى حد فقدت الأشياء قيمتها وأهميتها، وتداخلت الأشياء الكمالية مع الحاجات الضرورية، فصار الجميع يشكون من القروض والديون وقلة المادة، وهذا مبعثه سوء التخطيط والتوزيع والاستخفاف بالمستقبل وما يحمله لنا من مفاجآت!

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

ولنتعلم من المجتمعات المتقدمة التي استطاعت أن تشق طريقها عبر التخطيط الحكيم والدراسة العلمية والاحتياط للمستقبل، فهذبت صغارها منذ نشأتهم على كيفية استغلال المصرف اليومي، وفهم عملية الشراء، وقيمة المادة، وتقدير الأولويات حتى ينشأ عضواً فاعلاً يندرج في مجتمعه، متفهماً معنى الحاجة والاشباع، مدركاً معنى الاستهلاك، ومقدراً قيمة الأشياء، التي تعطى له. ومجتمعنا ـ للأسف ـ يفتقر إلى هذا النوع من التفكير والتربية، وهذا يعود إلى رغبة البعض في المباهاة وحب الظهور لإشباع ثغرات نفسية ناقصة فيه، فأصبح الغني والفقير يتناغمان في سمفونية واحدة، وهي عشق الماركات العالمية، ولفت الأنظار التي تشعره بنشوة ساحرة تغيبه عن الواقع المر.

فمخجل أن يستبدل البعض سيارته تبعاً للمزاج الشخصي، ومحزن أن ترصد بعض النساء ميزانية ضخمة لثيابهن تبعاً للموضة ولذوقهن المتقلب، صار لكل شيء موضة، حتى الصحون والأكواب لها موضة؛ أعرف بعض النساء تخلصن من أطباق جديدة لم يستعملنها بعد ليشترين موديلاً جديداً، وتتباهى النساء في مجالسهن بموديلات الأواني والملاعق والأطباق الشهية، وعرض ما لهن من مجوهرات وحلي، هي ثمرة خروجهن اليومي من بيوتهن إلى العمل، هذا الوقت والجهد المستقطع من حاجة الأسرة لم يكن في بعض الأحيان لضرورة ملحة، إنما لإشباع رغبة ثانوية فيها.. فالراتب يستهلك على ثوب من ماركة عالمية أو عقد من الذهب.

وصل الإسراف في الكماليات إلى حد جعل البعض يقترض الأموال ويلقي على كتفيه أعباء ثقيلة، رغم أن راتبه مناسب لمعيشة كافية، ناهيك عن تعود بعض الأطفال على الشراء المفرط إلى حد يفوق عمره، إذ يذهب إلى مدرسته بمصروف لا يناسب عمره، كل هذا والناس يشتكون من أن الراتب لا يكفي.

العملية كلها تحتاج إلى موازنة وذوق وحكمة في التصرف، البعض يسرف ويبذر ويرغب في الظهور بمستوى أعلى من مقدرته الاقتصادية، فالناس درجات وطبقات كما هم مصنفون من عند الله سبحانه.

فصور الإسراف في مجتمعنا مخزية إلى حد ترى للمراهق أو المراهقة تلفوناً خاصاً، وسيارة؛ (...) وهذا كفر بالنعم، وسوء تقدير لها، وإسراف بما وهبه الله سبحانه لنا، وإذا لم نشكر الله سبحانه عليها فستزول وتندثر.

فالطعام والأطايب التي تؤكل على شبع، وحفلات الأعراس المبالغ فيها، الإفراط في المباهج واللذات والإسراف في الزينة واللباس في مناسبة ومن دون مناسبة، أشياء كلها تدل على سفاهة العقل وضعف في النفوس، قد أماتت القيم، وأثارت المفاسد، وولدت فراغاً عريضاً في النفوس، وأمراضاً اجتماعية من بطالة وبلادة وتخمة في العقول وترف استنزف الذوق الانساني والحس الرفيع.

ولنتذكر دائماً أن اليهود أكثر الناس اقتصاداً وتخطيطاً وتنظيماً، وهم الذين سيطروا على الاقتصاد العالمي، واتخذوا هذا النهج في حياتهم وأُسرهم، وعرفوا كيف يشكلون لأنفسهم قوة بعدما كانوا شرذمة، نحن مقبلون على مستقبل غامض ينبغي علينا أن نتأهب ونستعد لأيام مبهمة، وربما ستكون نقلة شاسعة تجعل البعض في حالة ذهول وانعتاق عن الواقع، فلكل أمة أيام، ولكل مجتمع أجل.. ودوام الحال من المحال والاحتياط واجب!