مجتمع

قدسية كربلاء وانتهاك الحريات

ادارة الموقع 30-12-2017 469

لقد أثار القانون الجديد الذي أقره مجلس محافظة كربلاء المقدسة جدلاً واسعاً في الأوساط الاجتماعية بين مؤيد ورافض للفكرة، وبموجب هذا القانون تمنع بعض التصرفات التي كانت سائغة في السابق والتي تتعارض مع الشرع المقدس نظراً لقدسية تلك البقعة.

بعيداً عن تأييدنا لهذا القانون من عدمه، صدق نوايا الجهات المتبنية لتفعيل هذا القانون، أشر هنا إلى الهجمة التي شنها بعض المتباكين على انتهاك الحريات الشخصية، داعين من شرعوا هذا القانون الى الاهتمام بالواقع الخدمي بدل التضييق على الناس.

وقبل كل شيء لابد أن نعرف ما هو مفهوم الحرية سعة وضيقاً؟

إن الحرية من أهم المطالب التي يسعى الإنسان لتحصيلها، بل لا معنى للإنسانية من دونها لأن الإنسان دونما سواه من المخلوقات الأخرى يحاول التعبير عن رغباته وميوله دون تكبيل، ولذا فإن المناضلين من أجلها قد مجدتهم الأمم التي ينتمون إليها، وتغنى بهم الشعراء والأدباء، ونقشت رسومهم على الأوراق النقدية، وسميت بإسمهم المرافق والمؤسسات المختلفة.

أما مفهوم الحرية فهو من المفاهيم التي لم تستقر كلمات الباحثين على تعريف معين لها، بل كان لها أفهام متباينة تختلف باختلاف الزمان والمكان.

حيث ترى بعض المدارس الفكرية اليونانية (الأبيقورية) أن معنى كون الإنسان حراً حينما لا تكون هناك قيود لرغباته.

أما المادة السادسة في دستور الثورة الفرنسية فقد عرف الحرية بالتالي (استطاعة الإنسان أن يفعل كل مالا لا يضر بالآخرين)

وفي تعريف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي الصادر سنة 1789م، جاء فيه (حقُّ الفرد في أن يفعل كلّ ما لا يضرُّ بالآخرين).

الحريّة في الإسلام

لقد أرسى الإسلام أجلى مفاهيم الحرية، واعتبرها من ضروريات حياة الفرد والمجتمع، ولذا حض على مواجهة كل من أراد تكبيل المجتمع والحد من تطوره، نعم يشترك الإسلام مع الأيديولوجيات الوضعية التي تعتقد أن معنى الحرية = (كسر القيود)، ولا شك في أن الناس بصورة عامة لا بد أن لا يقيدهم قيد يساهم في تأخر النوع البشري، لكن كسر القيود بالمفهوم الغربي مختلف عنه في نظر الإسلام، فالحرية الغربية ترى أن الإنسان لا بد أن يتحرر من كافة القيود بما في ذلك القيود الأخلاقية والاجتماعية مما يعني كسر القيود أمام الغرائز والكوامن النفسية المكبوتة عند الإنسان، فيحق لأي أحد إشباع رغباته وميوله الجنسية مثلاً خارج نطاق المؤسسة الزوجية، ويحق له مشاهدة كل ما يثير هذه الغرائز من المسموع والمرئي ، ويحق له التعري وشرب الخمر والرقص، ويحق للمرأة التبرج وكشف جسمها وإقامة العلاقات خارج إطار الزوجية، إذن يتضح أن شكل الحرية الشخصية قائم على إباحة الملذات ليس أكثر، وأما في الإسلام فيرى أن هذه الأشياء التي يعتقد أنها حرية في منظور الغرب هي نفسها القيود التي تكبل الإنسان وتجعله أسيراً لها وعليه ينبغي التحرر منها، ولذا فقد عاتب الله تعالى من أخلد الى الراحة والتنعم في اللذائذ الدنيوية وترك الهدف الأخروي المرسوم للبشرية بقوله عز من قائل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) التوبة 38

فالقرآن الكريم يعبر عن هذه القيود بأنها تثاقل ولذا يدعو الى تحطيمها عبر تذكيره بأن الدنيا ما هي إلا محطة زائلة.

ولأن المشرع الحكيم فقد كانت قوانينه وفق قاعدة المصلحة والمفسدة باعتباره خالق البشر وهو أعرف بمصالحهم، فهو من جهة لم يكبح الجانب الغريزي الذي هو حاجة ملحة عند الإنسان وإنما قننه وفق إطار محدد، ونهى عن بعض التصرفات باعتبارها تسبب مفسدة للفرد والمجتمع، هذا من جهة ومن جهة أخرى فحتى الحرية في الغرب وإن كانت تحت مسمى كسر القيود، إلا أن هذا الشعار هو في حدود التصرف الشخصي، ولذا ذكرت التعاريف السابقة أن حرية الفرد تنتهي عند حرية الآخرين، بمعنى آخر أن تلك الحرية المدعاة وإن كانت مطلقة كما يروج لها إلا إنها في إطار ضيق وبشرط أن لا تتعارض مع حرية المجتمع، فعلى سبيل المثال يباح لكل أحد شرب السكائر إلا أن هذا الفعل ممنوع في المؤسسات العامة، ما يعني وجود حرية لكنها ضيقة، أما على صعيد الفكر فهناك تقييد كبير في هذا المجال وإن كان الإعلام يخالف الحقيقة، فعلى سبيل المثال تجرم أكثر الدول حرية في العالم الفكر النازي أو الفاشي، مما يعني أن تلك الدول قد لاحظت أن هذا الفكر يشكل خطراً على مجتمعاتها ولذا سارعت الى حظره، وكذلك حرية المعتقد فهي أثر بعد عين إذ تمنع بعض الدول الغربية النساء المسلمات من ارتداء الحجاب في المرافق العامة، بل وقامت بإجبارهن على ارتداء ملابس فاضحة بغرض تعلم السباحة، إذن يتضح أن هناك توافق في الجملة بين الحرية التي يدعو لها الإسلام والحرية وفق المنظور الغربي من حيث التطبيق، فكلا الأيدولوجيتين تدعو الى تقييد الحرية الشخصية إذا كانت تمس حرية المجتمع وتخالف ثقافته وأدبياته.

إذاً، من خلال هذا السرد يتضح أن من حق المجتمع المتدين في المحافظات المقدسة أن يمارس حريته، وأن لا يعتدي عليها بعض المتطفلين بدعوى أن حق الحرية الشخصية مكفول، ولهم أن يقوموا بكل ما يشوه طابع تلك البقاع، فمن حقي كمتدين أن لا يقيم شخص يسكن الى جانبي بإقامة حفل موسيقي صاخب، باعتباره اعتداء على حريتي وحرية المجتمع الذي أنتمي، ومن حقي أن لا أشاهد صالات القمار والملاهي منتشرة في أجواء ترعرعنا ونحن ندينها ونرى أن مرتاديها  من شواذ المجتمع، هذا وفقاً لمنظور الحرية التي يتبجح بها الكثيرون والتي لا يفهمون منها إلا شيء واحد وهو التهتك والتحلل من كل القيود الاجتماعية والأخلاقية على حساب أعراف المجتمع وأدبياته.