قرآنيات

مسار الإنسان بين البيئة والاختيار.. نماذج من الواقع

السيد هيثم الحيدري 24-09-2019 185

قد يظن البعض أن الانسان لا مناص له من تحكم البيئة فيه وهي التي تحدد مساره وتبني له منظومة فكرية تلائم أجواءها ومعتقداتها وتقاليدها... وليس له الفرار من تلك البيئة مطلقا !

ولكن هذا الظن يتلاشى حين نستعرض بعض النماذج التي أعلنت ثورتها على بيئاتها، حيث أن الانسان مختار في أفعاله ودائما ما يعيش الصراع بين الحق والباطل، وحين بروز الحق له جليا وتبيان زيف البيئة التي يعيشها يقف بين جهتي الحق والباطل وله أن يقرر جهة مصيره، فمهما كان عدد وشأن أصحاب الجهة الباطلة، ومهما كانت العوامل المؤثرة عليه والعواقب التي تنتظره فهو يستطيع الفرار من سجن بيئته المنحرفة بحكم اختياره وإرادته .

ومن النماذج التي جابهت بيئاتها بجدارة وعلو همة.. آسيا بنت مزاحم - امرأة فرعون - حيث يستعرض القران الكريم موقفها السامي حينما تبينت لها الحقيقة - برؤية معاجز نبي الله موسى (ع) - كيف حلقت روحها الى سماء الحرية وخلصت من قيود الدنيا الزائلة ولم تبالي للمغريات التي تكبل الانسان عادة كالمركز الذي كانت فيه كـ (ملكة مصر) والترف الذي تعيشه... وآمنت برسالة نبي الله موسى (ع) مع علمها بالعواقب التي تنتظرها وقد ختمت حياتها بالشهادة في سبيل الله حيث ثبتوا يديها ورجليها بالمسامير تحت أشعة الشمس الحارقة ووضعوا على صدرها صخرة كبيرة وهي تدعوا: (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) وقد استجاب الله لها، بل خلد موقفها الى يوم القيامة.

ومن اللطائف في عبارة: (وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) التي تشير الى أن هذه المرأة الجليلة القدر رغم كل ما تنعم به وتملكه من خدم وحشم وزخرف الدنيا ومركزها كملكة مصر... ترى أن الخلاص منه نجاة من الهلاك مادام في ظل فرعون! لرسوخ ايمانها وعلو همتها، فلا مغريات الدنيا أثنتها ولا ضغوط العواقب من العذاب وغيره أخضعتها لترك الحق.

وكذلك نموذج السحرة الذين هجروا النعيم الذي كانوا فيه مع فرعون وأعلنوا إيمانهم وثورتهم ضد بيئتهم الفرعونية ولم يبالوا لوعيد فرعون وعذابه بعدما تبين لهم الحق جليا حيث (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)([1]).

وكنموذج آخر أصحاب الكهف: (إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا)([2]).

وهم فتية قاموا ضدَّ طاغوت زمانهم، وقد استطاعوا أن ينسلخوا من حياتهم المترفة والمليئة بما لذ وطاب، بل انسلخوا من حب الجاه - كما هو حال آسيا والسحرة - إذ كانوا يحتلون مراكز رفيعة المستوى في دولة الطاغوت.. فأطلقوا كلمة الحق بوجه الطاغوت وقد علموا أنهم عرَّضوا حياتهم للخطر بشهادة قوله تعالى: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ) ([3]).

التفاتات:

1  - رب قائل يقول: كيف استطاع قوم كانوا يعيشون في وسط ملوث بالشرك والكفر أن ينطقوا بكلمتهم الحقة ضد الطواغيت؟! مع ملاحظة تركهم للنعيم الدنيوي الذي كانوا مترفين فيه؟!
الجواب: ليس من الصدفة أن يبرز هؤلاء دون غيرهم ضد طواغيت زمانهم بكلمات خلدتها السماء، بل لابد من وجود اعتدال مسبق في قلوبهم ومقدمات عملية في سلوكهم هيئتهم لهذا التصدي المفعم بالإيمان الراسخ، فمع ذلك يُنبذ منهج: (حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا) ([4]).

​2  - قد يبرر البعض بأن الأقليات ليس لها القدرة على المواجهة فيكون الاستسلام هو الحل الأصلح ! ولكن مما تقدم من شواهد قرآنية يظهر أن هذا الرأي ليس في محله .
نعم قد يستدعي الأمر الى توقيت معين أو تجهيز أو غير ذلك من عوامل إنجاح قضية الحق وهذا ليس استسلاما فتدبر.

 3 - قد يسرق الباطلُ شكل الحق فيشتبه على من لا يملك المعيار العلمي والبصيرة، ولكن من يملكهما لا وجود للاشتباه عنده كما حصل مع السحرة الذين خروا سجدا حينما تبين لهم الحق جليا، إذ كانوا على يقين أن ما جاء به موسى (ع) ليس من السحر ومع وجود اعتدال في القلب ومقدمات - كما تقدم - وقتهم من عمى البصيرة، ويشير الى وجود اعتدال في قلوبهم قوله تعالى: (وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ).
ومن هنا يتّضح ـ أيضاً ـ مدى ضعف وعدم واقعيّة أساطير الماديين، وخاصة الماركسيين حول نشأة الدين وتكوّنه، فإنّهم اعتبروا أساس كلّ حركة هو العامل الاقتصادي، في حين أنّ الأمر هنا كان بالعكس تماماً، لأنّ السّحرة قد حضروا حلبة الصراع نتيجة ضغط أجهزة فرعون من جانب، والإغراءات الاقتصادية من جانب آخر، إلاّ أنّ الإيمان بالله قد محا كلّ هذه الاُمور، فقد إنهار المال والجاه الذي وعدهم فرعون به عند أعتاب إيمانهم، ووضعوا أرواحهم العزيزة هديّة لهذا العشق!

([5]).


[1] طه: 72 – 73 .

[2] الكهف: 14 .

[3] الكهف: 20.

[4] المائدة: 104 .

[5] تفسير الأمثل: ج10 ص41 .