قراءة في كتاب

كاتب فرنسي: تعدد الزوجات أمر طيب!

علي الحسيني 30-03-2019 229

لحسن الحظ، فإنّ زوجة الكاتب لن تقرأ هذا المقال، ولو تعمّد أحد القرّاء إيصاله فعذري أن ناقل الكفر ليس بكافر! فالمقال ينقل بتلخيص وأمانة رأي عالم الاجتماع غوستاف لوبون (ت 1931م) من تعدد الزوجات، وتقييمه لوضع المرأة المسلمة الشرقية مقارنة بالغربية عموماً، ذلك الكاتب الفرنسي الشهير الذي عرف عنه الاهتمام بالشرق كما تشهد كتاباته ومنها كتابه محل اهتمام المقال: حضارة العرب (ط: مؤسسة هنداوي) وتحديداً الفصل الرابع المعنون بـ: المرأة في الشرق، الذي وضع فيه أربعة مباحث:

  1. أسباب تعدد الزوجات في الشرق.
  2. تأثير الإسلام في أحوال النساء.
  3. الزواج عند العرب.
  4. الحريم في الشرق.

(1)

في البدء يؤشر لوبون على اعتراضين بارزين من قبل الغربيين على التعدد بالقول: "لا نذكر نظاما أنحى الأوربيون عليه باللائمة كمبدأ تعدد الزوجات، كما أننا لا نذكر نظاما أخطأ الأوربيون في إدراكه كذلك المبدأ، فيرى أكثر مؤرخي أوروبا اتزاناً أنّ مبدأ تعدد الزوجات حجر الزاوية في الإسلام، وأنه سبب انتشار القرآن، وأنه علة انحطاط الشرقيين "

  وحسب هذا النص إذن فثمة اشكالان غربيان مهمان يلفّان موضوع التعدد، الأول يتمثل بمقولة: سبب انتشار القرآن هو إقراره تعدد الزوجات، ويجيب عنه لوبون بالقول: "إنّ مبدأ تعدد الزوجات ليس خاصّا بالإسلام، فقد عَرَفَه اليهود والفرس والعرب وغيرهم من أمم الشرق قبل ظهور محمد، ولم ترَ الأمم التي اعتنقت الإسلام فيه غُنْمًا جديدًا إذن، ولا نعتقد، مع ذلك، وجود ديانة قوية تستطيع أن تُحَوِّل الطبائع فتبتدع، أو تمنع، مثل ذلك المبدأ الذي هو وليد جَو الشرقيين وعروقهم وطُرُق حياتهم "

  ويضيف لوبون دفعاً لاعتراض آخر لا يقل أهمية عن سابقه يرى في التعدد سببا لانحطاط الشرقيين: "لا أرى سببًا لجعل مبدأ تعدد الزوجات الشرعي عند الشرقيين أدنى مرتبةً من مبدأ تعدد الزوجات السِّري عند الأوروبيين، وأبُصِر العكس فأرى ما يجعله أسنى منه، وبهذا ندرك مغزى تعجب الشرقيين الذين يزورون مدننا الكبيرة من احتجاجنا عليهم ونظرِهم إلى هذا الاحتجاج شَزْرًا ".

  لكن قد لا يكفي هذا لإقناع القارئ بما توصل إليه كتاب حضارة العرب من "أنّ مبدأ تعدد الزوجات الشرقي نظام طيب يرفع المستوى الأخلاقي في الأمم التي تقول به، ويزيد الأسرة ارتباطا، ويمنح المرأة احتراما وسعادة لا تراهما في أوربة "من أجل هذا يرجو لوبون من قارئه "أن يطرح عنه أوهامه الأوربية جانباً "!

  بالعودة لموضوع المبحث الأول، وبتتبع مجموع كلماته ونقل مضمونها دون تقييم ونقد، يرى الكاتب الفرنسي أنّ أسباب تعدد الزوجات في الشرق دون الغرب يعود لمجموعة عوامل:

أولاً: تأثير الجو والعرق.

ثانياً: حب الشرقيين لكثرة الأولاد

ثالثاً: ميل الشرقي للحياة الأسرية.

رابعاً: خلق الإنصاف.

خمساً: الزواج المبكّر.

 في هذا السياق كتب: "من السهل أن ندرك علل إقرار الشرائع الشرقية لمبدأ تعدد الزوجات بعد أن نشأ عن العامل الجثمانية المذكورة آنفاً، فحب الشرقيين الجمّ لكثرة الأولاد وميلهم الشديد إلى حياة الأسرة، وخلق الإنصاف الذي يردعهم عن ترك المرأة غير الشرعية بعد أن يكرهوها. .."

(2)

وفي ثاني المبحثين (تأثير الإسلام في أحوال النساء) يتناول مكانة المرأة في الإسلام ويقارنها بالمرأة الأوربية ويكتب: « لم يقتصر الإسلام على إقرار مبدأ تعدد الزوجات الذي كان موجوداً قبل ظهوره بل كان ذا تأثير عظيم في حال المرأة في الشرق، والإسلامُ قد رفع حال المرأة الاجتماعيِّ وشأنَها رفعًا عظيمًا بدلًا من خفضها خلافًا للمزاعم المكررة على غير هدى، والقرآن قد منح المرأة حقوقًا إرثية أحسن مما في أكثر قوانيننا الأوروبية كما أثبتُّ ذلك حينما بحثتُ في حقوق الإرث عند العرب».

يبرهن لوبون على رأيه من خلال البحث والمقارنة في حال الشرقيات قبل الإسلام وبعده ويرى في ذلك "أحسن طريق لإدراك تأثير الإسلام في أحوال النساء في الشرق"ويبدأ باستكشاف حالهن قبل »حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ..."وبعدها يواصل عرض حجته بالقول:

  "كان الرجال قبل ظهور محمد يعدّون منزلة النساء متوسطة بين الأنعام والإنسان من بعض الوجوه أي أداةً للاستيلاء والخدمة، وكانوا يعدّون ولادة البنات مصيبة، وشاعت عادة الوأد، وصار لا يُجادل فيها كما لو كانت البنات جراءً يقذف بها في الماء. .."ثمّ يستشهد بمحاورة وقعت بين رئيس بني تميم قيس ومحمد حين رأى قيسٌ محمداً يضع إحدى بناته على ركبتيه:

ـ قيس: من هذه الشاة التي تشمّها؟

ـ محمد: ابنتي.

ـ قيس: والله كان لي بنات كثير فوأدتهن من غير أن أشمّ واحدة منهن.

ـ محمد (صارخاً): ويل لك، يظهر أنّ الله نزع الرحمة من قلبك، فلا تعرف أطيب النعم التي منّ الله بها على الإنسان".

 ويستنتج: "الإسلام إذن لا النصرانية هو الذي رفع المرأة من الدرك الأسفل الذي كانت فيه، وذلك خلافاً للاعتقاد الشائع"، وفي المقابل يكتب: "جميع الأديان والأمم التي جاءت قبل العرب أساءت إلى المرأة"ويبدأ بسرد الشواهد على هذه الحقيقة وأنّ الإسلام كان "أول دين يرفع شأن المرأة":

ـ كان الأغارقة على العموم يعدّون النساء من المخلوقات المنحطة التي لا تنفع لغير دوام النسل وتدبير المنزل فإذا وضعت المرأة ولداً دميماً قضوا عليها، ومن ذلك قول مسيو تروبلونغ: كانت المرأة السيئة الحظ التي لا تضع في إسبارطة ولداً قوياً صالحاً للجندية تقتل، وقال: كانت المرأة الولود تؤخذ من زوجها بطريق العارية ؛ لتلد للوطن أولاداً من رجل آخر.

ـ ومن ذلك قول شرائع الهندوس: ليس المصير المقدّر والريح والموت والجحيم والسم والأفاعي والنار أسواً من المرأة.

ـ ولم تكن التوراة أرحم بالمرأة من شرائع الهند، ومن ذلك قول سفر الجامعة: إنّ المرأة أمرّ من الموت، وإنً الصالح أمام الله ينجو منها. ..رجلاً واحداً بين ألف وجدتُ أما أمرأة فبين كل أولئك لم أجد!

(3)

وفي مبحث (الزواج عند العرب) يقارن واقع الزواج بين البيئتين ويدوّن جملة من الفوارق، وأبرز ما يلفت الانتباه ويستحق النقل والتأشير عليه باللون الأصفر ثلاث ملاحظات:

أولاً: "من النادر أن ترى رجلاً يتملّق زوجة رجلٍ آخر ؛ لمخالفة ذلك للطبيعة عند الشرقيين مع عدّه أمراً طبيعياً لدى الأوربيين، فلا ترى هنالك مثل ما يكدر صفو الحياة الزوجية في أوربة من الخيانة التي هي أعظم إفساداً للأخلاق من تعدد الزوجات على ما يحتمل "

ثانياً: "ينظر العرب شزرًا إلى العزوبة، والعزوبةُ تزيد في الغرب شيوعًا كلَّ يوم كما دلت عليه الإحصاءات، ومتى بلغ العربيُّ العشرين من عمره تزوج على العموم، ومتى بلغت العربية ما بين السنة العاشرة والسنة الثانية عشرة من عمرها تزوجت على العموم، وقد: اعترف إيبر بفائدة هذه العادة فقال: «لا يسعنا إلا الشهادة بحسن تلك الروح البَيْتِيَّة، وصلاح تلك الحياة المنزلية "

ثالثاً: "وحقوق الزوجة التي نصّ عليها القرآن ومفسّروه أفضل كثيراً من حقوق الزوجة الأوربية، فالزوجة المسلمة تتمتع بأموالها الخاصة فضلاً عن مهرها وعن أنه لا يطلب منها ان تشترك في الإنقا على أمور المنزل وهي إذا أصبحت طالقاً أخذت نفقة وهي إذا تأيّمت أخذت نفقة سنة واحدة ونالت حصة من تركة زوجها ".

أقول: تأيّمت المرأة مكثت بلا زوج، وتأيم الرجل مكث بلا زوجة، من الأيامى الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء.

(4)

وفي آخر المباحث الخاص بـ (الحريم في الشرق) ينقل نظرة الشرقيين إلى الأوربيين الذين يُكرهون نساءهم على التجارة والصناعة والأشغال..الخ كما ننظر إلى حصان أصيل يستخدمه صاحبه في جرّ عربة أو إدارة حجر رحى، فيجب ألا يكون على المرأة عند الشرقيين غير أدخال السرور إلى قلب الرجل وتربية الأسرة.

وبعد أن يروي بعض ما يجري في دوائر الحريم في المدن التركية سيما الآستانة مما يورث الفساد ويؤدي لانحلال الأخلاق، يرى أن عوامل تلك المساوئ سياسية أكثر منها غرامية ويرد على من يقيّم نظام الحريم طبقاً لتلك الحالات والقصص بالقول: أرى أن مثل من يحاول تقدير نظام الحريم بتلك الروايات كمثل من يقدّر مبدا الاقتصار على زوجة واحدة بالفضائح التي تعج محاكمنا منها كل يوم..

ويختم غوستاف لوبون الفصل الرابع من كتابه بالقول:

"مبدأ تعدد الزوجات أمر طيب، وأن حبّ الأسرة وحسن الأدب وجميل الطبائع أكثر نمواً في الأمم القائلة به مما في غيرها على العموم، وأنّ الإسلام حسّن حال المرأة كثيراً وأنّه أول دين رفع شأنها.. ".