منبر الجمعة

وكيل المرجعية العليا: هناك من لا يسمع النصيحة ولا يكترث ويصمّ آذانه ولا يلتفت

السيد أحمد الصافي 22-09-2018 678

إخوتي أخواتي.. إتماماً للخطبة الأولى سأنتقل الى الطرف الآخر، وهو الطرف الذي تنكّب واجتهد واجتمع في أن يقاتل سيّد الشهداء (عليه السلام)، سأنطلق من مقولةٍ تكون محوراً أو مدخلاً للحديث، وهي الحديث الشريف الذي يقول: (اعرف الحقّ تعرفْ أهله) وأرجو أن تُحفظ هذه المقولة عندكم وأنتم تعرفونها لاشكّ فهي مشهورة، لكن الإنسان في بعض الحالات قد يغفل عنها وإذا غفل عنها تورده المهالك.

(اعرف الحقّ تعرفْ أهله) أمّا إذا كنت لا تعرف الحقّ سيشتبه عليك الأمر، وستعرف الحقّ بالرجال وستكون هذه كارثة كبيرة عندنا، الحقُّ لا يُعرف بالرجال بل الرجالُ يُعرفون بالحقّ، أنتقل الآن الى الجانب السلبيّ للملاحظة فالمشهد العاشورائيّ مشهدٌ مكرّر، وهذا يعني الآن يوجد من يمثّل خطّ الحسين، والآن يوجد من يمثّل الخطّ الآخر، الأوّل له مميّزات -كما ذكرنا- بعضها وضوح الحقّ ومعرفته وشجاعة ووفاء، والثاني أيضاً له بعض المميّزات التي لا تخفى، ومن مميّزات هذا الخطّ هو عدم سماع النصيحة أصلاً، طبعاً النصيحة تأتي من ناصحٍ أمين مُشفق ويريد الخير، الإنسان تصل به الحالة أن لا يسمع النصيحة أصلاً، قبل أربعة عشر قرناً وقبل عشر قرون وقبل خمس قرون والآن تصل به الحالة الى أن لا يسمع النصيحة أصلاً ويصمّ أذنه.

نرجع الى واقعة الطفّ، الإمام الحسين (عليه السلام) عرّف بنفسه قد يكون فيهم أحدٌ جاهل لا يعرف، وعرّف بنفسه بصوتٍ عالٍ (من أنا؟) وذكر (سلام الله عليه) من هو ثمّ استُشهِد، قال لهم: عندكم رجالٌ يمكن أن يدلّوكم عليّ، أبو سعيد الخدريّ وسهل بن سعد هؤلاء تعرفونهم، ولا يوجد في هذه المعمورة ابن بنت نبيٍّ غيري، أنا ابن علي أنا ابن فاطمة وجدّي رسول الله!! أنا أريد أن أستفهم منكم لماذا تقتلونني؟!.

لاحظوا أنّ بعض الأسئلة في التأريخ ليس لها جواب، جوابها الجهل والعناد!! وهذا يعني أنّ المنطق هنا لا يعمل وإنّما الجهل، لماذا تريدون أن تقتلوني؟! هناك مجموعة أشياء تستدعي القتل، قال لهم: هل قتلتُ أحداً منكم فتطلبوني بقتيلٍ أنا قتلتُه؟! بسنّةٍ للنبيّ أنا غيّرتها؟! ماذا تريدون؟!، هذا سؤالٌ مهمّ يُفترض أنّ هؤلاء لو كان فيهم رجلٌ رشيد أن يسأل نفسه ويقول: نعم.. نحن جيّشنا الجيوش وجئنا لأن نقتل، لكن نقتلُ من؟! لاحظوا الأسئلة، الأسئلة هي ذاتها أجوبة، البعضُ يقول له: بغضاً بأبيك، نحن ليست عندنا مشكلة معك لكن بغضاً بأبيك، وكأنّ أباه وهو أميرُ المؤمنين كان إنساناً يُمكن أن يكون أذّى هؤلاء أو لم يكن على طريق هداية، وهذا المعتقد زرَعَه أئمّةُ الشام في نفوس هؤلاء، من هو أبوه؟ وكانت سُنّة هؤلاء أنّه كان يُلعن في خطبهم وحاشاه، هذا الكلام الذي جاء من الشام، أمّا الذي كان في العراق نعم.. لأنّ أمير المؤمنين لا يُجامل ولا يُداهن، والبعضُ هرب من الحقّ عندما يقول: بغضاً بأبيك يعني بغضاً للحقّ، هو لم يعرف عن عليّ سُبّة وحاشاه، بل بغضاً للحقّ، نحن لسنا أصحاب حقّ لكن الإنسان يصعب عليه أن يقول هكذا وإنّما يقول بغضاً بأبيك يعني بغضاً بالحقّ، هذا هو الجواب وهو ليس جواب عقلائيّ، الآخر ماذا يُجيب؟ يقول: انزل الى حكم الأمير فنحن نقاتلك لأنّك لا تنزل الى حكم الأمير، أيّ أمير؟!! عنده نسب، عِلْم، فِهْم، تقوى؟ أيّ أمير؟ لكن مع ذلك كان هذا الجواب، الآخر يقول: لا ندري ما تقول نحن لا نعرف ماذا تقول، هذا حالُ الذين لم يسمعوا النصيحة.

إخواني لا تحسبوا أنّ هذه المسألة قديمة بل تجري دائماً، الآن هناك أناسٌ لا تسمع النصيحة ولا تكترث وتصمّ آذانها ولا تلتفت، خصوصاً هذا الذي يتربّى وينشأ على اعوجاجٍ في العقل والذهن والفهم، لا يسمع نصيحة، والنتيجة قاتلوا ودخلوا الى الميدان، ولاحظوا قبيل أن يستشهد الحسين(عليه السلام) هناك شعارٌ رُفع وهو: أحرقوا بيوت الظالمين، هذا مستوى ضحل من الفهم، هذا منحى وهنالك منحى آخر، هو يعرف الحسين(عليه السلام) ويعرف من هو ولكن الدنيا غرّته فباع حظّه حظّ الآخرة بحظّ الدنيا، ضعيف لأنّه أُمِّل بإمارة الريّ!! وما أدراك ما تصنعُ الإمارات وما تفعل!! وهذه السلطنة تجعل الانسان يتنكّر لأبسط مبادئه، هو يعرف الحسين(عليه السلام) وليس بعيداً عن هذا البيت لكنّه أُّمِل بإمارة الريّ، فيقول: أنا أريد أن أصير والياً وأميراً. ما هو الثمن لهذا؟ اقتلوا الحسين. نعم.. موافق على أن أقتل الحسين مقابل هذا!! والإمام الحسين قال: هيهات إنّك لا تشبع من بُرّ العراق -أي الحنطة-. ما هو جوابه؟ قال: في الشعير كفاية -استهزاءً-، الإمام الحسين يتكلّم يريد أن يُنقذ هؤلاء المساكين من الضلالة لكنّهم لا يفهمونه ولا يقبلونه، هم لا يريدون لأنّه لا يمكن أن يُجاهد هذه النفس التي فقدت إرادتها وبدأت تنقاد، ماذا يقول لها؟! هم يعرفون أنّهم على باطل قاطبةً.

أمثال هؤلاء يأتي آخر الى العبّاس(عليه السلام) وهو يعرف، يقول: أين بنو أختنا؟! إذن هو قريبٌ من العائلة ويعرف أنّ هذه صلة الرحم، يريد أن يؤمِن العبّاس(عليه السلام) يقول له: اخرج من المعركة اترك أخاك ولك الأمان علينا أن لا تُقتل، لاحظوا الطريقة التي اتّبعها هؤلاء، هم يعرفون العبّاس وكيان العباس وإيمانه وقدرته وكيف يتعامل معه الحسين(عليهما السلام) لكن بدلاً من أن يخضعوا لأبي الفضل خضعوا الى شياطينهم، هو يعلم أنّه ضالّ لكنّه يريد أن يُضلّ الآخرين وهيهات هيهات، هذه صفةٌ من الصفات وهناك صفةٌ أخرى هي الجُبن، أرباب المقاتل ماذا يقولون؟ يقولون: إذا هجم عليهم الحسين فرّوا كالجراد المنتشر، لأنّهم يعلمون أنّ طلبهم طلب دنيا، والذي يطلب الدنيا يكون أشدّ شيءٍ عليه هو الموت، واقعاً هذه التفاتة مهمّة من واقعة عاشوراء، هؤلاء طلبوا الدنيا والحديث الشريف يقول: (حبّ الدنيا رأسُ كلّ خطيئة) وما أبشع هذه الخطيئة عندما يقف أمام سيّد الشهداء ويقتل سيّد الشهداء!! ما الذي جال في عقل هؤلاء عندما كانوا يُمسكون السيف ويضربون الحسين(عليه السلام)؟! ما الذي كان في ذهنهم؟! ما الذي كان في ذهن ذاك الذي رمى سهماً حتى يقتل طفلاً رضيعاً؟! الدنيا بالتأكيد، وبالنتيجة الذي عرف الحقّ لا يجرؤ أن يكون مع الباطل.

واقعة الطفّ أنتجت هذا التمييز الكبير، وهذا التمييز الكبير هو ليس وليد واقعة وانتهى وإنّما هذا المعسكر بهذه الطريقة موجود، الجُبن وحبّ الدنيا وحبّ المكاسب الشخصيّة وعدم سماع النصيحة، لا يسمع الإنسان أيّ نصيحة وإنّما تأخذه العزّة بالإثم الى أن ينحطّ ويسقط في الحضيض، وهؤلاء ذهبوا بلعنات الدنيا والآخرة، اقرأوا زيارات الحسين(عليه السلام) تجدونها مملؤةً باللعن لهؤلاء، وهذا اللّعن مفهوم قرآنيّ إلّا أنّ بعض من لا عقل ولا فهم ولا حريجة له ولا يريد أن يعرف المشهد العاشورائيّ، يقول: كلمات اللعن في الزيارة موضوعة. لاحظوا أنّ هذا لا يفهم المشهد العاشورائيّ فهو راكس، كما تقول زينب(عليها السلام): (بفيك أيّها القائل الكثكث والاُثلب) -أي الرمل في فيك-، من أنت حتّى تتعامل مع هذا الوجود بهذه الطريقة الضحلة؟!، اقرأ المشهد العاشورائيّ. نعم.. أنت قد تكون محبّاً للدنيا لكنّك تُغلّف ذلك، أنت لا تسمع النصيحة لكنّك تُغلّف ذلك، أنت تتمتّع بخصلة الجُبن لكنّك تُغلّف ذلك، هذا المشهد العاشورائيّ مميّز ولا يحتاج الى وضوحٍ أكثر، وهذه حجّةٌ علينا إخواني جميعاً، بالأمس القريب هبّ مَنْ هبّ بلا أن يتثبّت، لماذا؟ هناك فتوى ضدّ دواعش هناك فتوى ضدّ أعداء، واضحٌ ما هو منهجهم، هبّ هؤلاء الإخوة لكن تخلّف عنهم من تخلّف!! هذا المشهد العاشورائيّ يوميّاً وليس في القتال وحسب، بل هو مواقف، ولعلّ في بعض الحالات تكون أصعب على الإنسان من أن يقاتل، وهذه المواقف عندما تستعرض قضيّة الحسين(عليه السلام) تجد هذه الكفّة كلّ شيء فعله الإمام الحسين مع هؤلاء لكنّهم لم يتّعظوا ولم يقبلوا!! ما هي النتيجة؟ لا سلطانهم بقى، ولا إمرتهم حصلت ولا حياتهم خَلُدت، كلّ شيءٍ انتهى منهم بلعنات التاريخ، وفي المقابل شمسٌ لا يُمكن أن تُحجب، جيّشوا الأشياء ضدّ الحسين وقالوا عنه خارجي وأنّه طالب دنيا خرج على خليفته، لكن كلّها انتهت الى وبال، وأصبح الطفل الرضيع الآن يفتح عينيه على الحسين(عليه السلام)، وطبعاً إخواني مع كلّ ما يُجيّش ضدّ سيّد الشهداء لا شكّ ولا ريب سينتهي الى فشل، ولعلّ من الأشياء التي يوفّق لها المؤمنون هو إحياء هذه المراسيم والشعائر ليس تذكيراً بسيّد الشهداء فقط، وإنّما إحياءً لنفوسنا التي مرضت والتي شربت من الدنيا والتي تكاسلت، خوفاً على نفوسنا من أن تميل الى دنياً دنيَّة، وإحياء الشعائر تذكيرٌ وجَلو للنفس فعلينا دائماً إخواني أن نستفيد من بركات هذه الشعائر والمجالس الحسينيّة، تمييزُ الفريقين دائماً لا بُدّ من التأكيد عليه، هذا ما تيسّر لنا أن نكون به في خدمتكم خوفاً من الإطالة، فالمشهدُ العاشورائيّ مشهدٌ طويل وعريض وجديد ويعيش في دمنا ويعيش دائماً معنا.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن نوفّق بمقدار ما نكون في الدنيا من أن ننهل من بركات سيّد الشهداء(عليه السلام)، ونرجو الله تعالى رجاءً غير منقطع بدعائكم ودعاء من يسمع أن نكون دائماً في رعاية سيّد الشهداء(عليه السلام)، وفي ذلك اليوم الذي يكون يوماً مهولاً علينا أن يأتينا ذلك النداء أنّنا من مقبولي الشفاعة عند الإمام الحسين(عليه السلام)، سائلين الله تعالى أن يقبل تلك الشفاعة فينا وأن يرضى عنّا وعنكم، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.


النص الكامل للخطبة الثانية لصلاة الجمعة (11 محرّم 1440هـ) الموافق لـ(12 أيلول 2018م)، بإمامة سماحة السيد أحمد الصافي.