منبر الجمعة

المرجعية العليا: سيكون للمشهد وجه آخر... ولكن!

الشيخ عبد المهدي الكربلائي 28-07-2018 698

بسم الله الرحمن الرحيم..

يعلم الجميع على ما آلت إليه أوضاع البلاد وما تُعاني منه هذه الأيّام من مشاكل متنوّعة وأزمات متشابكة، وكانت المرجعيّةُ الدينيّة العُليا تقدّر منذ مدّة غير قصيرة ما يُمكن أن تأول اليه الأمور فيما إذا لم يتمّ اتّخاذ خطوات حقيقيّة وجادّة في سبيل الإصلاح ومكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعيّة.

ومن هنا قامت على مرّ السنوات الماضية بما يُمليه عليها موقعُها المعنوي من نصح المسؤولين والمواطنين لتفادي الوصول الى الحالة المأساويّة الراهنة، لقد نصحت المرجعيّة الدينية مراراً وتكراراً كبار المسؤولين في الحكومة وزعماء القوى السياسيّة بأن يعوا حجم المسؤوليّة الكبيرة الملقاة على عاتقهم، وينبذوا الخلافات المصطنعة التي ليس وراءها إلّا المصالح الشخصيّة والفئويّة، ويجمعوا كلمتهم على إدارة البلد بما يحقّق الرفاه والتقدّم لأبناء شعبهم، ويراعوا العدالة في منح الرواتب والمزايا والمخصّصات، ويعملوا للإصلاح ويمتنعوا عن حماية الفاسدين من أحزابهم وأصحابهم، وقد حذّرتهم في خطبة الجمعة قبل ثلاثة أعوام بأنّ الذين يمانعون من الإصلاح ويراهنون على أن تخفّ المطالبة به عليهم أن يعلموا أنّ الإصلاح ضرورة لا محيص منها، وإذا خفّت مظاهر المطالبة به مدّة فإنّها سوف تعود في وقتٍ آخر وأوسع من ذلك بكثير ولات حين مندم.

كما نصحت المواطنين كلّما حلّ موعد الانتخابات المركزيّة والمحلّية بأنّ الإصلاح والتغيير نحو الأفضل الذي هو مطلب الجميع وحاجة ماسّة للبلد لن يتحقّق إلّا على أيديكم، فإذا لم تعملوا له بصورةٍ صحيحة فإنّه لن يحصل، والآليّة المُثلى له هي المشاركة الواعية في الانتخابات المبنيّة على حسن الاختيار أي انتخاب الصالح الكفوء الحريص على المصالح العُليا للشعب العراقي والمستعدّ للتضحية في سبيل خدمة أبنائه، وتحقيقاً لهذا الغرض طالبت المرجعيّةُ الدينيّة بأن يكون القانون الانتخابي عادلاً يرعى حرمة أصوات الناخبين ولا يسمح بالالتفاف عليها، وأن تكون المفوّضية العُليا للانتخابات مستقلّة كما قرّره الدستور ولا تخضع للمحاصصة الحزبيّة، وحذّرت من أنّ عدم توفير هذين الشرطين سيؤدّي الى يأس معظم المواطنين من العمليّة الانتخابيّة وعزوفهم عن المشاركة فيها، ولكن مثلما يعلم الجميعُ لم تجرِ الأمور كما تمنّتها المرجعيّةُ الدينيّة العُليا وسعت اليها، واستمرّت معاناة معظم المواطنين بل ازدادت معظمها، وانتشار البطالة وتراجع القطاعين الزراعي والصناعي بصورةٍ غير مسبوقة، وكلّ ذلك نتيجة طبيعيّة لاستشراء الفساد المالي والإداري في مختلف مرافق الدولة ومؤسّساتها والابتعاد عن الضوابط المهنيّة في تسييرها وإدارتها.

واليوم وبعد كلّ ما وقع في الأسابيع الماضية من اعتداءات مرفوضة ومُدانة على المتظاهرين السلميّين وعلى القوّات الأمنيّة وعلى الممتلكات العامّة والخاصّة، وانجرارها للأسف الشديد الى اصطدامات دامية خلّفت عدداً كبيراً من الضحايا والجرحى، فإنّ من الضروري العمل بمسارين:

الأوّل: أن تجدّ الحكومة الحاليّة في تحقيق ما يُمكن تحقيقه بصورةٍ عاجلة من مطالب المواطنين وتخفّف بذلك من معاناتهم وشقائهم.

الثاني: أن تتشكّل الحكومة القادمة في أقرب وقتٍ ممكن على أسسٍ صحيحة من كفاءات فاعلة ونزيهة، ويتحمّل رئيسُ مجلس الوزراء فيها كامل المسؤوليّة عن أداء حكومته وأن يكون حازماً وقويّاً ويتّسم بالشجاعة الكافية في مكافحة الفساد المالي والإداري الذي هو الأساس في معظم ما يُعاني منه البلد من سوء الأوضاع، ويعتبر ذلك واجبه الأوّل ومهمّته الأساسيّة ويشنّ حرباً لا هوادة فيها على الفاسدين وحماتهم، وتتعهّد حكومته بالعمل في ذلك وفق برنامجٍ معدّ على أسسٍ علميّة يتضمّن اتّخاذ خطوات فاعلة ومدروسة، ومنها ما يأتي:

أوّلاً: تبنّي مقترحات لمشاريع قوانين ترفع الى مجلس النوّاب تتضمّن إلغاء أو تعديل القوانين النافذة التي تمنح حقوقاً ومزايا لفئات معيّنة يتنافى منحُها مع رعاية التساوي والعدالة بين أبناء الشعب.

ثانياً: تقديم مشاريع قوانين الى مجلس النوّاب لغرض سدّ الثغرات القانونيّة التي تُستغلّ من قبل الفاسدين لتحقيق أغراضهم، ومنح هيئة النزاهة والسلطات الرقابيّة الأخرى اختيارات أوسع في مكافحة الفساد والوقوف في وجه الفاسدين.

ثالثاً: تطبيق ضوابط صارمة في اختيار الوزراء وسائر التعيينات الحكومية ولا سيّما للمناصب العُليا والدرجات الخاصّة، بحيث يُمنع عنها غيرُ ذوي الاختصاص والمتّهمون بالفساد ومن يمارسون التمييز بين المواطنين بحسب انتماءاتهم المذهبيّة أو السياسيّة ومن يستغلّون المواقع الحكوميّة لصالح أنفسهم أو لصالح أقربائهم أو أحزابهم ونحو ذلك.

رابعاً: الإيعاز الى ديوان الرقابة الماليّة الى ضرورة الإنهاء والتدقيق في الحسابات الختاميّة للميزانيّات العامّة في السنوات الماضية وجميع العقود والتخصيصات الماليّة للأعوام السابقة على مستوى كلّ وزارةٍ ومحافظة، وضرورة الإعلان عن نتائج التدقيق بشفافيّة عالية لكشف المتلاعبين بالأموال العامّة والمستحوذين عليها تمهيداً لمحاسبة المقصّرين وتقديم الفاسدين للعدالة، وعلى مجلس النوّاب القادم أن يتعاطى بجدّية مع جميع الخطوات الإصلاحيّة ويقرّ القوانين اللازمة لذلك.

وإن تنصّلت الحكومة عن العمل بما تتعهّد به أو تعطّل الأمر بمجلس النوّاب أو لدى السلطة القضائيّة فلا يبقى أمام الشعب إلّا تطوير أساليبه الاحتجاجيّة السلميّة لفرض إرادته على المسؤولين مدعوماً في ذلك من قبل كلّ القوى الخيّرة في البلد، وعندئذٍ سيكون للمشهد وجه آخر مختلف عمّا هو اليوم عليه، ولكن نتمنّى أن لا تدعو الحاجة الى ذلك ويُغلّب العقل ويُغلّب المنطق ومصلحة البلد عند من هم في مواقع المسؤوليّة وفي يدهم القرار ليتداركوا الأمر قبل فوات الأوان، والله المسدّد للصواب.

*النص الكامل الخطبة الثانية من صلاة الجمعة المباركة ليوم (13ذي القعدة 1439هـ) الموافق لـ (27 تموز 2018م) التي أُقيمت في الصحن الحسينيّ المطهّر وكانت بإمامة سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي (دام عزّه)