نهج البلاغة

التربية الأسرية من فكر الإمام علي (ع)

الشيخ سجاد الربيعي 19-07-2018 264

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أي بُني إني.... بادرت بوصيتي إليك، وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي، وأن أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا، فتكون كالصعب النفور. وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته. فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك» [1].

يضع أمير المؤمنين (عليه السلام) في طليعة اهتمامه على ما يبدو في فكره مسألة توثيق العلاقة الروحية في أجواء الأسرة من وجهة نظر إسلامية، موازنة بين المطالب الدنيوية والمطالب الأخروية طبقا لقوله تعالى: «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا» [2]. وهذا التوازن يقتضي بطبيعة الحال العمل في أولويات الواجبات التي تناط بالأسرة.

فيرى الامام (عليه السلام) من الواجب على الآباء أن يراعوا أبنائهم في كل مرحلة من مراحل نموهم ويغذوهم بما يحتاجونه من زاد ثقافي وأخلاقي بما يتناسب وكل مرحلة، وبصدد هذه المراحل ونمو العلاقة التربوية يقول (عليه السلام): «فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك لتستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته فتكون قد كفيت مئونة الطلب وعوفيت من علاج التجربة فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه واستبان لك ما ربما أظلم علينا منه»[3].

ومن هنا يستوقفنا أيضاً قول الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): «يثغر الغلام لسبع سنين ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرّق بينهم في المضاجع لعشر ويحتلم لعشر، ومنتهى طوله لاثنتين وعشرين، ومنتهى عقله لثمان وعشرين سنة الَّا التجارب» [4]. الذي يتماشى مع نمو الفرد بحيث لا تنفك عن مراقبته طوال حياته. وهذه المسؤولية الخطيرة ليست قصرا على الأسرة وحدها بل هناك حقوق لابد من تهيئتها من قبل الدولة ويجب المحافظة عليها، لتوفير الحياة السعيدة وإزالة الجهل من نفوس الناس يقول (عليه السلام) «أما بعد: فإن لي عليكم حقا، ولكم علي حق، أما حقكم علي: فالنصيحة في ذات الله، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا» [5].

يشير الامام (عليه السلام) في كلامه إلى ضرورة توعية الناس بكيفية المحافظة على الحقوق المتبادلة في المجتمع وفي الأسرة، التي تعد نوعا من التربية، كحقوق الآباء على الأبناء وحقوق الأبناء على الآباء، ويضع (عليه السلام) في ذلك أسسًا وموازين في كيفية استرشاد الأمور التربوية الإنسانية الصحيحة، التي تهدف لانتشال الإنسان من مهاوي الخوف والسمو بالنفس وصيانة الكرامة والتبصير بأساليب الحق.

ويدرك الإمام (عليه السلام) أن الأساليب التربوية لا تعدوا أن تكون ومضات سريعة بل تحتاج الوقوف عند كل موقف من مواقف الأبناء وما ينبغي أن يتربوا عليه ويستسقوا التعاليم الصحيحة، وفي هذا يقول (عليه السلام): «ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ومقتبل الدهر، ذو نية سليمة ونفس صافية»[6].

إشارة الى الشعور بالمسؤولية بأن يكون الوالد شفيقا على أولاده، وينظر في مصالحهم والاهتمام بأحوالهم، وابتدائهم بالتعليم والتأديب، وتوفير المناخات الروحية والنفسية لهم، عبر تعليمهم كتاب الله والوقوف على أحكامه وتشريعاته من حلال وحرام.

فالإنسان الذي يشعر بالمسؤولية من وجهة نظر أمير المؤمنين (عليه السلام) هو المقتدر على التعامل مع أسرته ومجتمعه على أسس أخلاقية تصون مكانته كإنسان من خلال احترامه لنفسه ومحافظته على كرامته وتحمل المسؤولية تجاه غيره.

الهوامش:

----------------

[1] ـ نهج البلاغة,  خطب الإمام علي ( ع ),  3 /40 .

[2] ـ سورة القصص: 77 .

[3] روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه,  محمد تقي المجلسي ( الأول ), 13 /82 .

[4]ـ  الوسائل باب 74 حديث 5 من أبواب أحكام الأولاد ، ج 15 ص 183

[5] بحار الأنوار,  العلامة المجلسي,  34/49 .

[6]ـ   نهج البلاغة,  خطب الإمام علي ( ع ),  3 /41 .