التوحيد

من خلق الله؟!

آية الله ناصر مكارم الشيرازي 13-08-2019 218

يرد هذا السؤال عادةً في مباحث معرفة اللَّه تعالى‏ ومن قِبَل الأفراد قليلي الخبرة وهو:

أنتم تقولون:  إنّ لكل شي‏ء خالقاً ومبدعاً، إذن فمن خلق اللَّه عز وجل؟

والعجيب هو أنّ بعض فلاسفة الغرب طرحوا هذه الأسئلة أيضاً، وهي علامة على مقدار تصورهم السطحي في المباحث الفلسفيّة وتفكيرهم البدائي.

يقول الفيلسوف الإنجليزي الشهير (برتراندراسل) في كتابه (لِمَ لا أكون مسيحيّاً؟):

«كنت اعتقد باللَّه في شبابي، وكنت أعتقد ببرهان علّة العلل كأفضل دليلٍ عليه، وهو أنّ كل ما نراه في الوجود ذو علّة معينة، ولو تتبّعنا سلسلة العلل لانتهت بالعلّة الأولى، وهي ما نُسميّه باللَّه.

لكنني تراجعت عن هذه العقيدة بالمرّة فيما بعد، لأنني فكرت بأنّه لو كان لكلّ شي‏ء علّة وخالق، لوجب أن يكون للَّه‏ علة وخالق أيضاً»[1].

لكننا لا نعتقد بأنّ أحداً له أدنى اطلاع على المسائل الفلسفية الخاصّة بمباحث معرفة اللَّه تعالى‏، وما وراء الطبيعة، يحار في الإجابة عن هذا السؤال، فالمسألة واضحة جدّاً، فعندما نقول:  إنّ لكل شي‏ءٍ خالقاً وموجداً، نقصد (كُلّ شي‏ء حادثٍ وممكن الوجود)، لذا فهذه القاعدة الكليّة صادقة فقط بخصوص الأشياء التي لم تكُن من قبل وحدثت فيما بعد، لا بخصوص واجب الوجود الذي كان موجوداً منذ الأزل وسيبقى إلى الأبد، فوجود أزليٌّ لا يحتاج إلى خالق، لكي نسأل عن خالقه !؟  فهو قائم بذاته ولم يكن معدوماً من قبلُ أبداً، لكي يحتاج إلى علّة وجوديّة.

وبتعبيرٍ آخر:  إنّ وجوده من ذاته لا مِن خارج ذاته، وهو لم يكُن مخلوقاً، هذا من جهة، ومن جهةٍ أُخرى كان من الأفضل ل (برتراندراسل) ومؤيّديه أن يسألوا أنفسهم هذا السؤال:  لو كان للَّه ‏خالقٌ فسيرد نفس هذا الإشكال مع الخالق المفترض، وهو:  من خلق ذلك الخالق !؟  ولو تكررت هذه المسألة وافترضنا أنّ لكلّ خالق خالقاً لأدى ذلك إلى التسلسل، وبطلانه من الواضحات، ولو توصَّلنا إلى وجودٍ يكون وجوده من ذاته ولا يحتاج إلى موجدٍ وخالق آخر (أي واجب الوجود)، فذلك هو اللَّه رب العالمين.

ويُمكن توضيح هذه المسألة ببيانٍ آخر وهو:  إننا لو لم نكن من المؤمنين على سبيل الفرض وكُنّا نؤيّد عقيدة المادييّن، لواجهنا نفس هذا السؤال، فبتصديقنا قانون العليّة في الطبيعة، وأنّ كلّ شي‏ء في العالم معلول لآخر، سيرد هذا السؤال الذي واجهه المؤمنون باللَّه تعالى وهو:  لو كانت جميع الأشياء معلولة للمادّة فما هي العلّة التي أوجدت المادة إذن؟

وسيضطّرون أيضاً للقول:  إنّ المادة أزليّة، وكانت موجودة منذ الأزل، وستبقى إلى الأبد، ولا تحتاج إلى علّة وجوديّة، وبتعبيرٍ آخر هي (واجب الوجود).

 

وعلى هذا الأساس نُلاحظ أنّ جميع فلاسفة العالم سواء الإلهيين منهم أو المادييّن يؤمنون بوجودٍ أزليٍّ واحدٍ، وجودٍ لا يحتاج إلى خالقٍ ومُوجد، بل كان موجوداً منذ الأزل.

والتفاوت الوحيد هو أنّ الماديين يعتقدون بأنّ العلّة الاولى فاقدة للعلم والمعرفة والعقل والشعور، ويعتقدون بأنّها جسم ولها زمان ومكان. لكن المؤمنين يعتقدون بأنّ العلّة الاولى ذات علمٍ وإرادة وهدف، وهو اللَّه تعالى وينزّهونه عن الجسميّة والزمان والمكان، بل يعتقدون بأنّه فوق الزمان والمكان.

وعليه فقد أخطأ (راسل) في تصوره بأنّه يستطيع التهُّرب من مخالب هذا السؤال بترك زمرة المؤمنين والإلتحاق بالمادّيين، لأنّ هذا السؤال ملازم له دائماً، حيث إنّ الماديين يعتقدون أيضاً بقانون العليّة ويقولون:  إنّ لكل حادثة علّة معينة.

إذن، فالطريق الوحيد في حلِّ هذه المشكلة هو إدراك الفرق جيداً بين‏ (الحادث) و(الأزلي)، وبين‏ (ممكن الوجود) و (واجب الوجود)، لكي نعلم أنّ الذي ‏يحتاج إلى خالقٍ هو الموجودات الحادثة والممكنة، أي أنّ كل مخلوقٍ يحتاج إلى خالق، وما ليس بمخلوق فلا يحتاج إلى خالق.


[1] برتراند راسل، في كتابه (لِمَ لَم أكُن مسيحيّاً).