المعاد

يحيي العظام وهي رميم: هل تعود أبداننا يوم القيامة كما كانت في الدنيا؟

علي الحسيني 05-08-2019 453

بعد ضرورة وقوع المعاد عند سائر المؤمنين عامة، وظهور النصوص الشرعية ـ قرآناً وسنة ـ في عودة الأبدان، يقع السؤال عن وجه اختلاف في شأنه: هل هو جسماني أو روحاني وجسماني؟! فما سبب هذا الاختلاف وما وجهه؟ هذا هو السؤال الذي يحاوله المقال تفهمه.

يُنقل أنّ أُبي بن خلف جاء النبي (صلى الله عليه وآله)، فأخذ عظماً بالياً من حائطٍ، ففتّه ثمُّ قال: يا محمد إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً، وفي شأن أُبي وصنيعه هذا، نزل قوله تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ Q قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [يس: 79]

ينطلق أُبي بن خلف أو غيره من المشركين والكفار آنذاك في إنكار عودة البدن بعد تلاشيه، من عدم إيمانهم بأصل وجود الحياة بعد الموت: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) [الجاثية: 24]، لكن ما معنى وأسباب اختلاف المؤمنين بوجود الحياة بعد الموت والدار الآخرة في أمر المعاد: هل هو جسماني فقط، أو روحاني وجسماني ؟!.  

 ومعنى أن يكون المعاد جسمانياً هو: عودة الأبدان بعد موتها وترجع كما كانت في الحياة الدنيا، بينما الروحاني يعني: بقاء النفس الإنسانية بعد أن تفارق البدن بالموت إمّا منعمة أو معذبة وفق عملها في الدنيا.

 وبالرغم من الضرورة العقلية لوجود الحياة بعد الموت، والبداهة الدينية للمعاد الجسماني، "وجوب إيفاء الوعد والحكمة، يقتضي وجوب البعث، والضرورة قاضية بثبوت الجسماني من دين النبي (صلى الله عليه واله) مع إمكانه " (تجريد الاعتقاد ص548)، لكن ثمة أربع مسائل رئيسة كانت مثاراً للجدل؛ ما أفضى لوقوع اللغط في كيفية المعاد، بعد الإيمان بوقوعه جزماً، وتلك الأسباب على الإجمال قبل التفصيل:

أولاً- الاختلاف في تحديد هوية الإنسان، هل النفس الإنسانية جسم أو هي كيان مجرّد عن المادة؟

ثانياً- الاختلاف في تحديد نوع النعيم والعذاب في العالم الآخر، هل هما عبارة عن لذة أو ألم حسيان وللبدن فقط أم هما سعادة وشقاء روحيان ؟

ثالثاً- الموقف من قاعدة: (إعادة المعدوم بعينه)، هل أنّ ذلك مستحيل أم جائز؟

رابعاً- الاعتراضات على المعاد الجسماني.

ما الانسان؟!

كل المدارس والمذاهب الفلسفية والفكرية، مهما اختلفت او اشتركت فإنها تتحدد معالمها في ضوء هذا السؤال، ينجر هذا للعديد من الأفكار والعقائد الدينية، ومسألة كيفية عودة الإنسان ورجوعه في العالم الآخر، عالم الخلود ويوم القيامة.

    إنّ الإنسان، زوجٌ تركيبي من: بدن ونفس - جسم وروح - مادة وصورة – جنس وفصل – لكن ثمة اختلاف وقع لا في جسمه وبدنه وهيئته الظاهرة بل في الجانب الغير المنظور منه، أعني في روحه ونفسه وفصله المقوم، وما يحدد هويته ويكون الإنسان إنساناً، هل هو الآخر جسماً أو جسمانياً (عرض) أم هو كيان مجرد عن المادة وشوائبها ؟! وهذا التعدد في النظر للإنسان هنا في هذه الحياة ألقى بظلاله على إنسان ما بعد الحياة، فمن رأى جسمانية الروح نحى لجسمانية المعاد فقط، ومن يرى تجردها لم يقصر المعاد على الجسماني منه، بل إما ينفيه ويحصره بالروحاني أو يضم للجسماني الروحاني ويقول بالمعادين معا، هذا هو أول أسباب الإختلاف.

اللذة والألم، حسّيان وروحيّان

والسبب الآخر هو الاختلاف في تحديد نوع الآلام واللذائذ في العالم الآخر، فمن يرى أنها حسية جزئية فقط يرى انه جسماني ومن يرى أنّها روحية عقلية كلية كان من القائلين بالروحاني، ومن يرى وجود النوعين هناك قال بالمعادين.

  واللذة الحسية هي: لذة الأكل والشرب والجنس وكل ما يوجب النشوة والارتياح للبدن عبر الحواس، وهي مرهونة بمدة وتحتاج لعدة، خلافاً للذة الروحية، فهذه سعادة لا تنتمي لعالم البدن بل للروح والنفس، كنشوة الحب والعلم والعبادة بحضور قلبٍ، والارتياح النفسي الناتج من مساعدة فقير، والشجاعة وسائر الصفات النفسية الكمالات الروحية، ويقابلهما: الألم الحسي، والألم الروحي.

القائلون بالمعاد الجسماني والروحاني معاً جمعوا بين الحكمة والشريعة، بين العقل والدين، ذلك أن اجتماع اللذتين أو السعادتين (سعادة الأرواح وسعادة الأجساد)، الآن في الدنيا وهنا على الأرض هدف بعيد المنال أو مستحيل، نظراً لضعف الروح المسجونة في زنزانة البدن، فالاستغراق في عالم المعنى والروح يفوت معه الانشغال باللذات الحسية وبالعكس، ومن ثمّ قالوا: الجنة جنتان: روحية وجسمية، فمن كان يؤدي الفرائض ببدنه وحسب دون حضور الروح كان نصيبه الجنة الجسمانية وبالعكس.

قاعدة: إعادة المعدوم بعينه

وثالث العوامل المؤثرة على الاختلاف في مسألة حشر الأبدان هو الموقف من قاعدة الفلاسفة: إعادة المعدوم بعينه مستحيلة؛ بينما يرفض معظم المتكلمون الاستحالة ويرون إمكان إعادة المعدوم بعينه وجوازه، ولتوضيح القاعدة قبل أن نجادل المتكلمين نأخذ المثال الآتي: لو كتبتَ جملة على السبروة كجملة (الحمد لله) ومسحتها ثمّ كتبتّها مرة أخرى، فهل الجملة الثانية إعادة لنفس الجملة الأولى بعينها أو مثلها؟!، يقول الفلاسفة: إنّها مثل الأولى لا عينها، وطبقاً لموقف بعض المتكلمين: إنّها عين الأولى.

 والحقيقة فإنّ موقف الجواز منطلق من فهم ملتبس في فهم الموت للكائن البشري وعودته مرة ثانية في الحياة الأخرى، لقد اعتبروا الموت إعدام والعودة إيجاد بعد إعدام، والواقع ليس كذلك، فلا موت الإنسان يعني فناؤه و عدمه، ولا الإعادة تعني بالضرورة: إيجاد الأجزاء بعد إعدامها، بل للإعادة معنى آخر هو: جمع الأجزاء وتأليفها بعدما تشتتْ وتفرقتْ، "وعمدة ما دعاهم إلى القول بجواز الإعادة زعمهم أن المعاد وهو مما نطقت به الشرائع الحقة من قبيل إعادة المعدوم. ويردّه: أن الموت نوع استكمال لا انعدام وزوال". (بداية الحكمة ص25).

إثارات على المعاد الجسماني

مثلما لاحظنا حتى الآن: لا مبرر يدعو للتشكيك في المعاد الجسماني، لا من حيث العقل كما نصّ ابن سينا في الشفاء، ولا جهة النقل بل هو ما نطقت به نصوص الإسلام، فثمة نعيم في الجنة يوصف بما نعرف من نعيم في الدنيا، من أنهار، وعيون جارية، وثمار، وفاكهة وأزواج، وفرش وسرر، وفي النار أيضاً، يجري الحديث القرآني عن اسوداد وجوه وعن وقود النار، وعن جلود تنضج بعد اكتواء وتبدل بغيرها، وعن كيّ الجباه والجنوب، وهلمّ جراً، بل المعاد الجسماني هو ثابت في عامة الملل، لكن ليس هذا كل ما في الأمر، فالاعتقاد بعودة البدن في الحشر، كغيره لم يخلو من إثارات واعتراضات، مثل شبهة الآكل والمأكول، والتناسخ، ومشكلة مكان الجنة والنار، وغير ذلك من اعتراضات وجًهت صوب المعاد الجسماني، مما يمكن العثور عليه في كتب العقائد والمدوّنات الكلامية، ككتاب: تجريد الاعتقاد للطوسي وشرحه: كشف المراد للحلي.

 وآخر ما كُتب ـ على حد علمي ـ حسب المنهجية الكلامية الإمامية هو: (المعاد الجسماني العنصري في الكتاب والسنة والشبهات المثارة حوله، للسبحاني) فقد جمع فيه هذه الإثارات وحاول معالجتها، وقد طبع كرسالة أولى ضمن كتاب، صدرتْ الطبعة الأولى منه عن مؤسسة الإمام الصادق سنة :1433هـ - 2012م، بعنوان: (شبهات وردود – رسائل أربع في الكلام والفقه، ترد على الشبهات الواردة حول المعاد الجسماني، والسعادة والشقاء الذاتيين، والإرتداد، ونظام الرق في الإسلام).

ختاماً

القول بحشر الأبدان والأرواح، والاعتقاد بالمعاد الجسماني والروحاني، هو القول المحقق الثابت عند عامة الأعلام، بيد أنّ بين "هؤلاء القائلين بالمعادين جميعا، اختلفت كلماتهم في أن المعاد من جانب البدن أهو هذا البدن بعينه أو مثله و كل من العينية أو المثلية أ يكون باعتبار كل واحد من الأعضاء و الأشكال والتخاطيط أم لا والظاهر أن هذا الأخير لم يوجبه أحد بل كثير". (الأسفار العقلية الأربعة، ج 9ص165).