الإمامة

ماذا ورث الإمام الحسين (ع) من الأنبياء؟

الشيخ مقداد الربيعي 24-11-2018 322

لكل شخصية اجتماعية حيثيتان: حيثية شخصية حقيقية، وحيثية حقوقية، والمراد من الأولى ذات الفرد وشخص وجوده، والمراد من الثانية مقامه الاجتماعي، ورتبته في قومه التي تقتضي له جملة من الحقوق، فرئيس القبيلة او ملك البلد كما له شخصية حقيقية بها يورث املاكه العينية المادية لمورثيه، كذلك له هذه الحقوق كالرئاسة والملك يورثها لمورثيه، ولكن لابد في هذا التوارث ـ في الحيثيتين ـ من شرط اساس وهو الانتساب الى المورث، ووجود صلة للوارث به.
فالوراثة من الحيثية الحقيقية تقتضي وجود صلة النسب بحسب الشريعة، والوراثة من الحيثية الحقوقية تقتضي الانتساب لتلك الجهة الحقوقية، فحينما يموت أحد رجالات السياسة او الاجتماع يرث أبنائه وأسرته أمواله، بينما يرث إرثه السياسي او الاجتماعي السياسيون او المسؤولون الاجتماعيون، سواء كانوا بنيه وبني عمومته ام لا، وسواء كانوا يشغلون مناصب مماثلة في حياته اولا، فإنهم الوارثون لحيثيته الحقوقية على كل حال.
والوراثة المقصودة في هذه الفقرة من الزيارات هي وراثة الحيثية الحقوقية والمعنوية للنبوة، لأن الملحوظ فيها وراثة الانبياء بعنوان انهم انبياء لا بعنوانهم الشخصي وحيثيتهم الحقيقية. وبعبارة اخرى: إن تعليق الحكم على وصف مشعر بالعلية، وحيث ان المذكور هنا عنوان الانبياء يفيد إن الائمة عليهم السلام ما ورثوا اولئك الا لأنهم انبياء، فمناط التوارث بينهم النبوة، فلم يرثوا نوحا وابراهيم وموسى وعيسى بما انهم شخصيات حقيقية، لان وارثيهم بهذا العنوان هم بنوهم وأسرهم، لا الأئمة عليهم السلام.
ولا يستغرب البعض هذه الوراثة فهذا القرآن بين ايدينا وهو يصدح بكل وضوح ان من الناس من ورث تركة الانبياء، قال تعالى: (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب) الاعراف: 169، وقال ايضا: (أورثوا الكتاب من بعدهم) الشورى: 14.
وعامة الناس لا ترث شيئاً من الوحي والنبوة والرسالة والولاية، لكن الفكر السماوي الموروث منهم له دور ناشط ومصيري في مسيرة المجتمعات البشرية اللاحقة، وهو بذلك يعد إرثاً ثقافياً لها.
ماذا ورث الأئمة من الانبياء؟
إن أثقل مسؤولية تقع على عاتق الانبياء عليهم السلام وما يميز قيادتهم بعد مقام النبوة الشامخ، هي الدعوة الى توحيد الله وعبادته، قال تعالى: (وما ارسلنا من قبلك من رسول الا نوحي اليه ان لا اله الا انا فاعبدون) الانبياء: 25.
وبقية الكمالات الاخرى كالتفوق العلمي والعصمة وتلقي الوحي والافضلية و.. انما هي شرائط او آثار الدعوة الى التوحيد. وما من رسول دعا الناس الى نفسه، وإذا ما ذكر نفسه في الدعوة ودعا الى متابعته، كما في قوله تعالى: (قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) ال عمران: 31، وقوله: (قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني) طه: 90، فبلحاظ نبوته ووظيفته في ابلاغ رسالة الله تعالى، فمتابعته بهذا اللحاظ ترجع الى متابعة الله تعالى.
والائمة عليهم السلام امتداد لطريق الرسالات وحفظة حصيلة النبوات، فهم ورثة انبياء الله سبحانه في الدعوة الى الحق والتوحيد، وقد قال تعالى لرسوله: (قل هذه سبيلي ادعوا الى الله على بصيرة انا ومن اتبعني) يوسف: 108.
وعلاوة على ذلك فقد صرحت روايات اهل البيت عليهم السلام بان للأئمة عليهم السلام كافة الكمالات والخصائص المتفرقة في الانبياء، كشفاء المرضى وأحياء الموتى وإخبار الناس بما يدخرون في بيوتهم، وهذه كانت من كمالات النبي عيسى عليه السلام، وكمعرفتهم بلسان الطيور والحيوانات وهي من كمالات النبي سليمان عليه السلام، وكانت لديهم عصى النبي موسى عليه السلام وهي من معجزاته، فقد ورد عن ابي بصير، قال دخلت على ابي عبد الله وابي جعفر عليهما السلام وقلت لهما: انتما ورثة رسول الله صلى الله عليه واله؟ قال نعم، فقلت: رسول الله وارث الانبياء علم كما علموا؟ فقال: نعم، فقلت: أنتم تقدرون على ان تحيوا الموتى وتبرئوا الأكمه والأبرص؟ فقال لي: نعم بأذن الله، ثم قال: أدن يا ابا محمد، فمسح يده عيني ووجهي وأبصرت الشمس والسماء والأرض والبيوت وكل شيء في الدار، قال: اتحب ان تكون هكذا ولك ما للناس وعليك ما عليهم يوم القيامة، او تعود كما كنت ولك الجنة خالصاً؟ قلت: أعود كما كنت، قال: فمسح على عيني فعدت كما كنت. بصائر الدرجات: ص289.
وعن زرارة عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لابن عباس: إن الله علمنا منطق الطير كما علمه سليمان بن داود، ومنطق كل دابة في بر او بحر. بصائر الدرجات: ص364.
وفي الرواية عن الصادق عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى لما انزل الله الالواح على موسى عليه السلام، انزلها عليه وفيها تبيان كل شيء؛ كان او هو كائن الى ان تقوم الساعة، فلما انقضت ايام موسى اوحى الله اليه ان استودع الألواح وهي زبرجدة من الجنة جبلاً يقال له زينة...
والألواح عندنا، وعصى موسى عندنا، ونحن ورثنا النبيين صلى الله عليهم اجمعين....تفسير العياشي ، ذيل الآية125، من سورة الاعراف.
وعن ابي جعفر عليه السلام قال: خرج امير المؤمنين ذات ليلة بعد عتمة وهو يقول: همهمة همهمة وليلة مظلمة، خرج عليكم الإمام عليه قميص آدم وفي يده خاتم سليمان وعصى موسى عليه السلام. الكافي د1، ص231.
وعن ابي عبد الله عليه السلام: إن سليمان ورث داود ، وإن محمداً ورث سليمان، وإنا ورثنا محمداً، وإن عندنا علم التوراة والإنجيل والزبور، وتبيان ما في الألواح. الكافي ، ج1، ص224.
وقال ابو جعفر عليه السلام في جمع من اصحابه: يمصون الثماد ويدعون النهر العظيم، قيل له وما النهر العظيم؟ قال: رسول الله صلى الله عليه واله والعلم الذي اعطاه الله، إن الله عز وجل جمع لمحمد صلى الله عليه واله سنن النبيين من آدم وهلم جرا الى محمد صلى الله عليه واله.
قيل له: وما تلك السنن؟ قال: علم النبيين بأسره، وإن رسول الله صلى الله عليه واله صير ذلك كله عند أمير المؤمنين عليه السلام، فقال له رجل: يابن رسول الله ! فأمير المؤمنين أعلم من بعض النبيين ؟ فقال له ابو جعفر عليه السلام: اسمعوا ما يقول؟ إن الله يفتح مسامع من يشاء، غني حدثته أن الله جمع لمحمد صلى الله عليه واله علم النبيين، وأنه جمع ذلك كله عند امير المؤمنين عليه السلام، وهو يسألني أهو اعام ام بعض النبيين!! الكافي ج1، ص222.
وراثة الحسين عليه السلام للأنبياء
ورد في زيارة سيد الشهداء عليه السلام (السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله....  )، فقد ذُكروا بأسمائهم كمورثين له عليه السلام، والوصف الموصوف به كل نبي علامة الخصوصية البارزة لميراث الإمام الحسين منه، فهو ورث من آدم خصيصة اصطفائه، ومن نوح خصيصة نبوته، ومن ابراهيم خصيصة خُلته، ومن موسى خصيصة تكليم الله له، ومن عيسى خصيصة كونه روح الله، ومن ومحمد صلى الله عليه واله كونه حبيب الله، ومن علي خصيصة إمرته على المؤمنين؛ وبهذا تكون كمالات الماضين جمعت في إنسان واحد.
وراثة العلماء للأنبياء 
جاء في صحيحة ابي البختري، عن افمام الصادق عليه السلام: إن العلماء ورثة الأنبياء، وذلك ان الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما أورثوا احاديث من أحاديثهم... الكافي: ج1، ص32، حديث2.
ومعنى الرواية على ما ذكر العلامة المجلسي في مرآة العقول: إن المراد بقوله عليه السلام (ان الانبياء لم يورثوا..) بيان الموروث فيه، لأنه عليه السلام لما قال: (إن العلماء ورثة الأنبياء) فكأن سائلاً يسأل: أي شيء أورثوا لهم؟ فأجاب بأنه لم يورثوا لهم الدرهم والدينار، ولكن أورثوا لهم الأحاديث. مرآة العقول، ج1، ص103.
وكلامه متين، لأنه قد ورد عنوانان في الرواية (الانبياء) و(العلماء) وهما يفيدان تعليق الحكم على الوصف، بمعنى ان الانبياء يخلفون بعد مماتهم ميراثاً من حيث أنهم انبياء (الشخصية الحقوقية) لا من حيث أنهم أفراد كسائر الناس، كما أن من يرثون هذا الميراث منهم يرثون من حيث انهم علماء وهداة للناس لا من حيث أنهم كبقية أفراد البشر، وعليه فيجب ان يكون الموروث مناسباً لهذين العنوانين وليس هو غير العلوم والفضائل، فإنهما كنز الأنبياء والعلماء، وعليهما اعتمادهم في القيام بوظيفتهم.
ولا يخفى ان هذا التناسب بين الانبياء والعلماء والذي اقتضى الوراثة ليس هو الا الهداية فهي وظيفتهم من خلال الأنذار والتخويف، قال تعالى: (هذا نذير من النذر الأولى) النجم: 56، وقد ذكر الإنذار كمهمة للأنبياء كافة، كما قال في بيان وظيفة العلماء (فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم للعهم يحذرون) التوبة: 122