التوحيد

كيف تحصل على «اسم الله الأعظم»؟!

الشيخ مقداد الربيعي 13-11-2018 393

يظن البعض ان الاسم الأعظم لفظٌ يقدر المتلفظ به على التصرف في الكون وفعل ما يشاء، وحيث لم يجدوا هذه الخاصية والقدرة في الأسماء الإلهية المعروفة ظنوا إن الاسم الأعظم مركب من حروف مجهولة، فأتعبوا أنفسهم في سبيل معرفتها، وسلكوا في سبيل ذلك كل وعر وصعب، لكنهم رجعوا بخفي حنين.

والحقيقة أن نظام الخلقة أسس على نظام السببية، وهو يدار وفق هذا القانون، لا بألفاظ ومفاهيم ذهنية؛ لأن قانون السببية مقيد ومشروط بوجود مناسبة بين العلة والمعلول، وهو ما يسمى بالسنخية بين السبب والمسبب، ولذا لا يكون أي شيء علة لأي شيء، فلا تكون الحرارة سبباً لإرواء العطشان، ولا الهواء سبباً لإشباع الجائع.

ولاسنخية (مناسبة) بين الاسم اللفظي الحاصل من تموج الهواء، او المفهوم الذهني الحاصل بالتصور، وبين شفاء السقيم، او خلق الطير، او احياء الموتى، وهي كلها أمور واقعية تكوينية، فالبحث عن الاسم الأعظم في الألفاظ والمفاهيم عناء بلا أثر، وحرثٌ بلا ثمر.

أجل؛ أن لكل أسم ملفوظ من أسماء الله الحسنى تأثيراً إن كان المتلفظ به متحققاً بحقيقة ذلك الاسم، وله به صلة روحية، وإلا فلا؛ فالاسم الإلهي كخاتم سليمان، يؤثر ما دام في يد النبي سليمان عليه السلام.

إن المستفاد من روايات اهل البيت عليهم السلام أن الإنسان كلما تحقق بالعبودية لله تعالى ازداد منه قرباً، وبصفاته شبهاً، وسمائه تجلياً، حتى يبلغ أن يكون مظهراً لاسمه الأعظم، فيستطيع فعل ما يشاء في عالم التكوين بإذنه تعالى، وقد ورد في الحديث القدسي: يا بن آدم أنا غني لا افتقر، أطعني فيما أمرتك أجعلك غنياً لا تفتقر. يا ابن آدم أنا حي لا أموت، أطعني فيما أمرتك أجعلك حياً لا تموت. يا اين آدم أنا اٌقول للشيء كن فيكون، أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فتكون. بحار الأنوار: ج90، ص376.

فالإنسان المتكامل هو مظهر تام للأسماء الحسنى، فيكون تبعاً لا أصالة، وعرضاً لا ذاتاً، ومجازاً لا حقيقة قادراً على خرق العادة، وفعل المعجز. وقد بين الحديث القدسي في قرب النوافل هذا المعنى بنحو أدق وأكمل: "... وما تقرب اليَّ عبد بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وإنه ليتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها...". الكافي، ج2، ص352، باب من آذى المسلمين واحتقرهم، حديث7.

فمن يدخل في زمرة أولياء الله تعالى، ويبدأ فعله بذكر اسمه سبحانه، فسوى يرى تأثيره بأم عينه، كما رآه شيخ الأنبياء نوح عليه السلام، حينما قهر أمواج الطوفان العاتية، وسيطر على سفينته الضخمة في حركتها وتوقفها بـ(بسم الله مجراها ومرساها) هود: 41.

وفي الرواية عن الإمام الرضا عليه السلام قال: بسم الله الرحمن الرحيم أقرب الى الاسم الأعظم من سواد العين الى بياضها. عيون اخبار الرضا، حديث11.

وهذه الرواية شاهد عدل على ما تقدم، لأن كثيراً من الناس يتلفظ بالبسملة لكنهم لا يحصدون شيئاً من بركات الاسم الأعظم، لأنهم خلو من المقامات المعنوية.

وفي الرواية: ... إن عيسى بن مريم عليه السلام كان من شرائعه السيح في البلاد، فخرج في بعض سيحه ومعه رجل من أصحابه قصير، مكان كثير اللزوم لعيسى عليه السلام، فلما انتهى عيسى الى البحر قال بسم الله، بصحة يقين منه، فمشى على ظهر الماء، فقال الرجل القصير حين نظر الى عيسى عليه السلام جازه، بسم الله بصحة يقين منه، فمشى على الماء ولحق بعيسى عليه السلام، فدخله العجب بنفسه، فقال: هذا عيسى روح الله يمشي على الماء وانا أمشي على الماء، فما فضله عليّ؟ قال: فرمس في الماء، فاستغاث بعيسى، فتناوله من الماء فأخرجه، ثم قال له: ما قلت يا قصير؟ قال: قلت هذا روح الله يمشي على الماء وأنا أمشي على الماء، فدخلني من ذلك عجب. فقال له عيسى: لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك الله فيه، فمقتك الله على ما قلت، فتب الى الله عزوجل مما قلت، قال: فتاب الرجل، وعاد الى مرتبته التي وضعه الله فيها...الكافي، ج2، ص352.

والخلاصة ان الاسم الاعظم ليس من سنخ الألفاظ والمفاهيم الذهنية، بل مقام روحاني معنوي يصل إليه الإنسان من خلال العبادة.

لكن، ماذا عن الروايات التي تتحدث عن ألفاظ الاسم الأعظم؟!

ظاهر بعض الروايات الواردة في مسألة الاسم الأعظم أنه من سنخ الألفاظ، مثل رواية: إن اسم الله الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفاًن وإنما كان عند آصف منها حرف واحد، فتكلم به فخسف بالأرض، ما بينه وبين سرير بلقيس، ثم تناول السرير بيده، ثم عادت الرض كما كانت أسرع من طرفة عين، وعندنا نحن من الاسم أثنان وسبعون حرفاً، وحرف عند الله استأثر به في علم الغيب عنده. الكافي: ج1، باب ما اعطي الأئمة عليهم السلام من أسم الله الأعظم، حديث1.

ولكن لابد من تفسيرها بحيث تتفق مع الأصل الكلي المتقدم، كأن يقال: إن المراد من تعليم الاسم الأعظم فيها تعليم طريق الانقطاع عما سوى الله تعالى إليه، والتمظهر بأعظم أسمائه سبحانه، وما شابه من معاني.

ومتون هذه الروايات ناطقة بضرورة مثل هذه التفاسير، لأنه لا وجود للفظة مكونة من ثلاثة وسبعين حرفاً في أي لغة من اللغات، ولكن لا محذور في تقسيم المقامات المعنوية الى ثلاث وسبعين درجة، فيكون مقابل كل حرف درجة معنوية خاصة، والدرجة المستأثر بها الله تعالى هي للفصل بين الواجب والممكن.

كيف يستطيع صاحب الاسم الأعظم فعل الخوارق والمعجزات؟

لنا ان نحلل تأثير الاسم الأعظم في نظام التكوين بما يلي: ان عالم الوجود وإن كان خاضعاً لنظام السببية، لكن لا يجب حصر السبب في العلل المعروفة لنا، فقد يكون لمعلول واحد أكثر من سبب وعلة لكنها خافية عنّان ومعاجز الانبياء من هذا القبيل، لأن الأعجاز هو خرق العادة المعروفة لا خرق نظام السببية.

وصاحب الاسم الأعظم يأتي بالمعجزة والكرامة من خلال أسبابها الخفية، وذلك إن افاضة الوجود على كل الممكنات إنما هو من الله تعالى وبإفاضته، وكما اعطى الله تبارك وتعالى القدرة للسبب الطبيعي يعطيها ايضاً لعبده عندما يتقرب اليه كما تقدم في حديث قرب النوافل، فيكون نفس هذا العبد سبباً طبيعياً لإيجاد المعلول، لكنه سبب خفي غير معروف. فإذا انقطع العبد عما سوى الله تعالى، ولم يلتمس حاجته من غيره، وحبس رجائه على فضله سبحانه، ثم دعا ربه باسم من اسمائه الحسنى، فلسوف يكون هذا العبد مظهراً لذلك الاسم، ولسوف يكون على يديه أثره وبركته، فإذا دعاه باسم الشافي فسيكون هو نفسه شافياً بإذن الله، وإذا دعاه باسم الخالق فسيكون نفسه خالقاً بإذن الله، وهكذا كما صار المسيح بن مريم عليهما السلام وشافى المرضى واحيى الموتى، وخلق من الطين طيراً.

ثم أن الاسماء والصفات الإلهية متفاوتة من حيث السعة والضيق، وإن بعضها واقع تحت حكومة بعضها الآخر، وسبب هذا التفاوت الرتبي للأفعال الربوبية، فإن بعض الأفعال هي من آثار افعال اخرى ومتفرعة منها، مثاله: إنه تعالى يشفي المرضى فهو (الشافي) ولكن كونه تعالى شافياً معلول لفعل الرزق، فإنه تعالى هو الرازق عباده النعم المادية والمعنوية والتي منها العافية، فالشفاء من الرزق، وكونه تعالى (رازقاً) معلول لفعل آخر أشمل منه وهو الخلق، فإنه تعالى هو الخالق لكل موجود، والرزق من الموجودات، فيكون الرزق من مصاديق الخلق.

وكونه سبحانه (خالقاً) معلول لقيوميته وتدبيره للخلق وتربيته لهم، فالخلق من آثار ومصاديق القيومية. وقيوميته من آثار ومصاديق قدرته تعالى.

والحاصل: إن كل فعل من الافعال الربوبية معلول لفعل آخر ويقع في الرتبة اللاحقة له، فتكون صفات الفعل متدرجة خلف بعضها البعض ايضاً، ولكنها كلها تأتي بعد صفات الذات. وآخر صفة فعلية هي صفة القيومية، وهي متفرعة من صفة القدرة الأعلى منها والتي هي من صفات الذات وكل الصفات الإلهية الذاتية والفعلية متفرعة على صفة الحياة، لذا جمع الأسماء كلها قوله تعالى: (لا اله الا هو الحي القيوم) البقرة. فإذا ما وفق العبد ليكون مظهراً لاسم من هذه الاسماء فهو في مرتبة هذا الاسم، وإذا اصبح مظهراً للاسم الأعظم فهو يمتلك تأثير جميع الاسماء الحسنى عدا الاسم الذي استأثر به الحق تعالى في غيبه.