التوحيد

من خلق الخالق؟!: «دوكنز مستشكلاً» و «صدرا» مجيباً

علي الحسيني 03-09-2018 289

بدءاً باسبينوزا (توفي: 1677م) وبعده هيوم (توفي: 1776م) وصولاً إلى جون ستيورات ميل (توفي: 1873م) وهربرت سبنسر (ت: 1903 م) ثمّ برتراند راسل (ت: 1970 م) وغيرهم من الفلاسفة الملحدين أو المشككين أواللا أدريين كان لإشكال: من خلق الخالق؟ وافر النصيب في طرحهم ونقدهم للدين ومحوره الأهم (خالق الكون ).

والأخير بالذات (راسل) أهتم بها وجعلها محور نقده لحجة العلة الأولى في محاضرته التي طبعت لاحقاً بعنوان: لماذا لستُ مسيحياً، مما قال هناك: " إذا ينبغي أن يكون لكل شيء سبب إذن: ينبغي أن يكون للإله سبب، وإذا كان من الممكن أن يكون هناك إله بدون علة أو سبب يمكن إذن أن يكون العالم بدون علة أو سبب مثل الإله تماماً ([1])

دوكنز مستشكلاً:

وليس الفلاسفة وحسب العلماء أيضاً، ولأكثر من سبب اختير أسم دوكنز، إذ يعتبر الرجل اليوم أيقونة الإلحاد الجديد وأشهر رموزه وصاحب أشهر كتاب فيه "وهم الإله " الكتاب الذي كرّر فيه هذه الإشكالية بأكثر من وجه وسياق:

1ـ بعد أن أشار عرض ثلاثة من أدلة توما الأكويني الخمسة على وجود الله قال دوكنز صفحة 79: ".. حتى لو أننا سمحنا لأنفسنا بالتبجح بأي شعوذة عبثية لإيجاد مُنْهٍ للتراجع الزمني اللانهائي وأعطيناه اسما ما، لأننا ببساطة نحتاج واحدا، فليس هناك...".

2ـ وفي موضع آخر من كتاب "وهم الإله" كتب دوكنز شارحاً حجة اللااحتمالية صفحة 111: كل الحجة تدور حول السؤال التالي: من خلق الله؟ حيث لا يمكن استعمال نظرية الإله المصمم لتفسير الخلق المعقد هذا، لأن أي إله قادر على تصميم أي شيء يجب أن يكون على مستوى أعلى من التعقيد ويتطلب بدوره تفسيراً، فكرة الإله تتطلب تراجعا زمنيا لا مفر منه ولا يمكننا تفسيره.

3ـ في سياق نقد الصدفة، والتصميم الذكي وترجيح الانتخاب الطبيعي عليهما قال في صفحة 122: "التصميم ليس بديلاً بالأساس لأنّه يؤدي لأثارة مشكلة أكبر من المشكلة التي يحاول حلها: من خلق الخالق؟"

قدمت العديد من المقاربات لهذا الإشكال، ماكغراث مؤخراً مثلاً قاربها بالنظرية الموحدة ـ بنظرية كل شيء ـ فكتب يقول: "الغاية الأسمى من العلوم الطبيعية هي السعي من أجل " النظرية الموحدة العظمى – نظرية كل شيء " فـلِـمَ نظرية كهذه تعد بتلك الأهمية؟ لأنّها تفسر كل شيء دون الحاجة إلى أن يكون مطلوباً تفسيرها بذاتها، وينتهي المسار التوضيحي هنا فتنتفي الحاجة إلى التراجع اللانهائي بغية التفسير " ([2]) لا نسترسل بعرض أجوبة ونقوض وردود، فالهدف من المقال ليس أكثر من بيان جواب الحكمة المتعالية وفيلسوفها صدر الدين الشيرازي (توفي سنة: 1640م)

صدرا مجيباً بالإمكان الفقري:

أما الجواب الفلسفي فمبتني على مسألتين رئيستين الأولى مدخل للثانية الأهم:

المسألة الأولى: وإن كان ثمة قواعد ذات صلة بالموضوع هو مثل: تسلسل العلل مستحيل وكل ما بالعرض لابد أن ينتهي الى ما بالذات، وأنّ الذاتي لا يعلل لكن الأهم الأهم من ذلك كله هو قانون العلية ومبدأ السببية، ولا شيء هنا سوى التنبيه على بداهته وفطريته، فقد فطر الإنسان على البحث عن علل الظواهر وأسباب الحوادث، حتى أنك لو أخذت لعبة طفل دون علمه لبحث فوراً عن الفاعل المسبِّب، وحتى بعض الحيوانات تلتفت عند شعورها بحركة وقعت على مقربة منها وتلتفت باحثةً عن السبب! ومن يريد أن يجادل في هذا المبدأ سيضطر ضمناً للإيمان به، فما كان له أن يبرهن على بطلان مبدأ السببية لو لم يكن مؤمناً في أعماقه بأنّ ما سيذكره من دليل سيكون " سبباً " لنتيجة وهي بطلان هذا المبدأ!

وعنهم يقول صدرا: "منهم من يتأهب للجدال بالقدح في ضرورة الحكم الفطري المركوز في نفس الصبيان بل المفطور في طباع البهيمة من الحيوان الموجب لتنفره عن صوت الخشب و العيدان و الصوت و الصولجان و كلامهم كله غير قابل لتضييع العمر بالتهجين و تعطيل النفس بالتوهين لكن نفوس الناس و جمهور المتعلمين متوجهة نحوه طائعة إليه " ([3])

المسألة الثانية: فبعد القبول بهذا المبدأ وأن لكل مسبب سبباً طرح الفلاسفة قديماً تساؤلاً أعمق وهو لماذا تحتاج الأشياء إلى علة؟ أي لماذا صارت كل الحوادث والمسببات والمعاليل والممكنات محتاجة إلى علة وسبب؟ وأين يمكن احتياجها للسبب؟

طرحت هنا العديد من النظريات قد تصل إلى ستة أو أكثر، لا يهمنا بل ولا يسعنا أيضاً عرضها في هذا المقال، وإنما المهم بيان الجواب الذي تقدم به صدر المتألهين عن السؤال الأساس والمحوري: لِـمَ تفتقر وتتوقف وتحتاج المسببات إلى أسباب؟!

ينص الشيرازي: "أنّ منشأ الحاجة إلى السبب كون وجود الشيء تعلّقياً متقوماً بغيره مرتبطا إليه" ([4]) وهو ما يعرف عنه بنظرية الامكان الفقري أو الوجودي.

تقرير الصدر لجواب الملا صدرا:

بحسب الصدر محمد باقر، لم يكلف صدر المتألهين الظفر بالسبب الحقيقي لحاجة الأشياء إلى عللها، أكثر من فهم مبدأ العلية، فهما فلسفيا عميقا، فقد لاحظ فيلسوف الحكمة المتعالية أنّ هذا المبدأ هو نحو من أنحاء الارتباط بين موجودين وشكل من أشكال العلاقة بين شيئين فراح يدرس ويدقق ويتأمل أنحاء الارتباط والعلاقة فخرج بقاعدة مفادها: أنّ كل أنواع الارتباط إنما تتم بين كيانين مستقلين تحصل العلاقة والارتباط بينهما بعد وجودهما لا بالارتباط يحصل لهما الوجود، باستثناء نوع واحد من أنواع الارتباط هي رابطة العلية.

ومن ثمّ فأنحاء الارتباط على كثرتها تقسّم على قسمين:

أـ ارتباطات بين شيئين لا علية بينهما: فالرسام مرتبط باللوحة التي يرسم عليها، والكاتب مرتبط بالقلم الذي يكتب به، والمطالع مرتبط بالكتاب الذي يقرأ فيه، والأسد مرتبط بسلسلة الحديد التي تطوق عنقه، وهكذا سائر العلاقات والارتباطات بين الأشياء. ولكن شيئا واضحا يبدو بجلاء، في كل ما قدمناه من الأمثلة للارتباط، وهو ان لكل من الشيئين المرتبطين وجودا خاصا، سابقا على ارتباطه بالآخر. فاللوحة والرسام كلاهما موجودان، قبل أن توجد عملية الرسم، والكاتب والقلم موجودان، قبل ان يرتبط أحدهما بالآخر، والمطالع والكتاب كذلك وجدا بصورة مستقلة، ثم عرض لهما الارتباط. فالارتباط في جميع هذه الأمثلة علاقة تعرض للشيئين بصورة متأخرة عن وجودهما، ولذلك فهو شيء ووجودهما شيء آخر، فليست اللوحة في حقيقتها ارتباطا بالرسام، ولا الرسام في حقيقته مجرد ارتباط باللوحة، بل الارتباط صفة توجد لهما بعد وجود كل منهما بصورة مستقلة.

ب ـ ارتباط شيئين برباط العلية، كارتباط الإحراق بالنار، فالعلية بطبيعتها تقتضي، أن لا يكون للمعلول (الإحراق) حقيقة وراء ارتباطه بعلته (النار) والا لم يكن معلولا. ويتضح بذلك ان الوجود المعلول ليس له حقيقة، الا نفس الارتباط بالعلة والتعلق بها. وهذا هو الفارق الرئيسي، بين ارتباط المعلول بعلته وارتباط اللوحة بالرسام، أو القلم بالكاتب، أو الكتاب بالمطالع. فان اللوحة والقلم والكتاب، أشياء تتصف بالارتباط مع الرسام والكاتب والمطالع. وأما (الإحراق) فهو ليس شيئا له ارتباط وتعلق بالعلة - لأن افتراضه كذلك، يستدعي ان يكون له وجود مستقل، يعرضه الارتباط كما يعرض اللوحة الموجودة بين يدي الرسام، ويخرج بذلك عن كونه معلولا - بل هو نفس الارتباط بمعنى ان كيانه ووجوده، كيان ارتباطي ووجود تعلقي، ولذلك كان قطع ارتباطه بالعلة افناء له، وإعداما لكيانه، لأن كيانه يتمثل في ذلك الارتباط. على عكس اللوحة، فإنها لو لم ترتبط بالرسام في عملية رسم معينة، لما فقدت كيانها ووجودها الخاص.([5])

الخاتمة:

" الوجودات الإمكانية هوياتها عين التعلقات و الارتباطات بالوجود الواجبي لا أنّ معانيها مغايرة للارتباط بالحق تعالى." ([6]فوجودها عارض طارئ وبالغير بل عين التعلق والإرتباط، ومن جهة أخرى: وجود العلة الأولى (واجب الوجود بالذات) عين ذاتها فهي عين الغنى والاستقلال، واذن: فلا يصح أن يسأل عن علته التي أوجدتُه وأعطته الوجود لإنّ وجوده عين ذاته و الذاتي لا يعلل وهو العلة الأولى التي بها تنقطع سلسلة التسلسل.

وبتقريب بسيط: يصح السؤال عن حلاوة الشاي لأنّ حلاوته عين التعلق والارتباط بالسكر ويصح أيضاً السؤال عن مصدر ضوء النهار و ضياء القمر لأنّه عين الارتباط بالشمس ولا له كيان مستقل ورائها، ولكن لا يصح السؤال عن حلاوة نفس السكر لإنه عين الحلاوة كما لا يصح أيضاً السؤال عن علة نور الشمس وضوئها لأنّه عين ذاتها.


([1]) برتراند راسل - ماذا لستُ مسيحياً ص 17، الطبعة الأولى: 2015 – دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر.

 ([2])ليستر إدغار ماكغراث - وهم دوكنز، الأصولية الملحدة وإنكار الإله ص28

 ([3])صدر الدين الشيرازي - الأسفار الأربعة، ج 1، صفحة 206

([4]) المصدر السابق -  الأسفار الأربعة، ج 3، صفحة253

 ([5]) الصدر – فلسفتنا الصفحة ٢٧٧بتصرف يسير وإضافة طفيفة.

([6])الأسفارالأربعة، ج 1، صفحة 65