التوحيد

مفهوم العبادة قرآنياً وخلل التكفيريين... السجود لغير الله أنموذجاً

علي الحسيني 21-07-2018 563

الحكم بالكفر لا يستتبع القتل بالضرورة، هذه مسلمة إسلامية وشاهد ذلك: الذين كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فمع الحكم بكفرهم: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» [الممتحنة : 8]، يستثنى من هذا طائفة قليلة في عددها كبيرة في فاعليتها وأفعالها بحكم السلطة والمال، فلازمت بين الأمرين ولو عملياً: فالمحكوم بكفره مقتول عند هذه الفئة لا محالة: إمّا تفجيراً بالسيارات أو حرقاً بالنار، أو إغراقاً بالماء وقائمة أساليب القتل عندهم تطول ويبقى القتل واحد!

إنني في غنىً عن تسميتهم والتعريف بهم فلا يجهلهم اليوم أحد في العالم تقريباً، وبالذات في العالمين العربي والإسلامي، وفي العراق بشكل أكثر تحديداً، البلد الذي تعافى منهم تواً.

العبادة بين منظورين

قد يكون هذا مفهوماً ـ وإن كان مرفوضاً ـ بالنسبة لأهل الكتاب لكنّ غير المفهوم هو أنّ هذا الإجرام شمل المسلمين أيضاً : فلماذا يكفرون المسلمين ثم يشرعون بقتلهم وذبحهم ؟

إذا كان الخلل عند هذه الجماعة المجرمة إزاء أهل الكتاب هو في استتباع الكفر للقتل فإنّ كلا الأمرين منتفيان في المسلمين فلا هم كفار، ولا الكفر بذاته يوجب القتل كما أسلفنا وهذا المقال معني بنقد العامل الأول دون الثاني: أعني به: أهمّ العوامل التي تقف وراء تكفير المسلمين، وأمّا فض الإشتباك وتفكيك الملازمة بين الكفر والقتل فخارج عن دائرة هذه المقالة.

لقد رأى هؤلاء أنّ ما يقع من المسلمين تجاه الأولياء والأنبياء من تعظيم مشاهدهم وتقبيل أضرحتهم وتشييد قبورهم أو الصلاة بالقرب منها، كما التوسل والاستغاثة والشفاعة والحلف بذواتهم بل كل قسم بغير الله تعالى، وحتى لفظ " العبد" ولو كان بمعنى الخادم كل ذلك مظاهرٌ للشرك في العبادة، مخرج للمسلم من التوحيد ولو قال في صلاته كل يوم عشر مرات في الحد الأدنى مخاطباً الله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين!

أغفل هؤلاء الجانب العقدي والقلبي والجوانحي في العبادة واقتصروا فيها على الفعل الظاهري والجوارحي ذلك أنّ العبادة تتقوم بركنين ولا تطير إلا بجناحين: الفعل الخارجي الصادر من الفاعل كصلاة المصلي وصومه وحجه وإلى آخر العبادات، وثمّ جانب آخر أغفلوه أو تغافلوا عنه هو: الإيمان بربوية وخالقية المتوجه إليه بالفعل .

من أجل هذا فـ "العبادة إنما تتحقق بالخضوع لشيء على أنه رب يعبد ، وأين هذا من تعظيم النبي الاكرم وأوصيائه الطاهرين عليهم السلام ؟! "([1])

توحيد العبادة... الرؤية القرآنية للمفهوم

تشير العديد من الآيات إلى أنّ صدق العبادة على فعل مرهون باعتقاد الفاعل بربوبية وألوهية المتوجه إليه بالعمل، ومن ثمّ فصدور الفعل أيّ فعل كان، مهما شابه وشارك الأفعال العبادية بل ولو كان متحداً من حيث الطبيعة معها كالسجود مثلاً ،  فلن يكون عبادة إذا لم يكن صادراً عن اعتقاد ربوبية المسجود له وعليه فهنا قضيتان :

القضية الأولى : لا عبادة دون اعتقاد الربوبية .

القضية الثانية : السجود لغير الله ليس شركا .

أمّا القضية الأولى فتوضحها العديد من الآيات حتى أنّها ترتب العبادة وتفرع الأمر بها على ربوبية الله تعالى لاحظ على سبيل المثال لا الحصر هاتين الآيتين :

ـ الآية الأولى : «إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ» [آل عمران : 51]

ـ الآية الثانية : «إنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ» (الأنبياء/92).

وكما يقال: إنّ من العدل أن تأتي لخصمك من الحجج بمثل ما تأتي به لنفسك، سآتي بأهم ما يحاجج الرافضون لهذا الفهم من خصومنا:

أنّ المشركين لم يكونوا يعتقدون بربوبية الأصنام وهذا ينقض التأصيل المتقدم ومن ثم فلا فرق بينكم وبين المشركين القائلين : «مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» [الزمر : 3] .

 فإن كان الاعتقاد بخالقية الله عز وجل مقوم للعبادة فهو متوفر فيما كان يأتي به المشركون ومع ذلك يعتبرهم الله عز وجل مشركين!

وفي الجواب نقول:

اولاً: الله عز وجل كما هو واضح في الآية ينقل عن لسان المشركين ولا شيء يشي بتصديقهم على قولهم بل آخر الآية يدل على عكس وأنّهم كاذبون: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ!

ثالثاً: شرك الربوبية لا ينحصر باعتقاد روبية وخالقية غير الله للكون والعالم، فنحن لسنا ربوبيين لنقول: إنّ الله عز وجل خلق الكون والعالم وحسب، وعليه: فالمشركون وإن قالوا بخالقية الله للسماوات والارضين لكن هذا لن يخرجهم من شرك الربوبية ماداموا قد صرفوا شطراً من مظاهرها لغير الله بنحو الاستقلال كالرزق وغفران والذنوب ونحوهما ، ونظير هذا ما يعتقده الثنوية ( الزرادشتية والمجوس) .

وأمّا القضية الثانية: السجود لغير الله شرك أم حرام ؟

قد تظن مما تقدم أننا نجيز السجود لغير الله تعالى لكنه ظن غير وارد أصلاً ، ذلك أن نفي الشرك عن العمل يستدعي بأي حال نفي الحرمة عنه فقد لا يُخرج العمل الإنسان من الدين وأصول التوحيد لكن هذا لا يعني إباحته ، وهذا هو حال السجود لغير الله دون اعتقاد ربوبية المسجود له

بكلمة موجزة : السجود الذي يمثل منتهى الخضوع وغاية التعظيم ونهاية التذلل للمسجود لا يخرج عن صورتين :

اـ مع اعتقاد الساجد ربوبية من وقع السجود له، «وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» [الرعد : 15] وهذا كسجودنا في صلواتنا اليومية ، وصرف هذا النوع من السجود يُعد شركاً قولاً واحداً وبلا تردد ، ومن ثمّ فالسجود ذو بعد عقدي ثابت مخالفته تُخرج الإنسان من دائرة التوحيد .

ب ـ مع عدم ذلك الاعتقاد، ومثال هذا سجود الملائكة لآدم (عليه السلام): «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ» [البقرة : 34] وكسجود يعقوب النبي (عليه السلام) وأبنائه ليوسف (عليه السلام ) « وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا» [يوسف : 100] ويبقى هذا النوع بما أنّه أخذ شكلاً وصورة عبادية يحتاج إلى ترخيص من الشرع فقد يرخص بل يأمر به الله تعالى كما في المثالين ومع عدم الأمر يبقى على التحريم ، وبهذا يدخل السجود في الفقه .

والزبدة: " إذا نُهي عن خضوع خاص لغير الله كالسجود ، أو عن عبادة خاصة كصوم العيدين ، وصلاة الحائض ، والحج في غير الاشهر الحرم كان الاتي به مرتكبا للحرام ومستحقا للعقاب ، إلا أنه لا يكون بذلك الفعل مشركا ولا كافرا ، فليس كل فعل محرم يقتضي شرك مرتكبه أو كفره . وقد عرفت أن الشرك إنما هو الخضوع لغير الله بما أن الخاضع عبد والمخضوع له رب ، فمن تعمد السجود لغير الله بغير قصد العبودية لم يخرج بعمله هذا المحرم عن زمرة المسلمين ، فإن الاسلام يدور مدار الاقرار بالشهادتين ، وبذلك يحرم ماله ودمه "([2])

وافق على ذلك وأقرّ به بعض علماء السنة فيما يلي أثنين منهم:

1ـ قال الذهبي (توفي : 748هـ ) : "وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به أصلا بل يكون عاصيا. فليعرف أن هذا منهي عنه وكذلك الصلاة إلى القبر "([3])

2ـ الشوكاني ( توفى: 1250هـ) :  " وأما قوله (ومنها السجود لغير الله) فلا بد من تقييده بأن يكون سجوده هذا قاصداً لربوبية من سجد له، فإنه بهذا السجود قد أشرك بالله عز وجل وأثبت معه إلهاً آخر، وأما إذا لم يقصد إلا مجرد التعظيم كما يقع كثيراً لمن دخل على ملوك الأعاجم أنه يقبل الأرض تعظيماً له، فليس هذا من الكفر في شيء " ([4])

 

 

 


([1]) الخوئي – البيان في تفسير القرآن ص 470 ، الناشر : دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت – لبنان ، الطبعة : الرابعة 1395 هـ - 1975 م .

 

([2])الخوئي – المصدر السابق : صفحة 475

([3]) معجم شيوخ الذهبي – ص 56 ، ط : دار الكتب العلمية بيروت لبنان ، تحقيق : د . روحية عبد الرحمن السيوفي . تنبيه : للكتاب طبعة أخرى ، طبعة الطائف  بتحقيق : د . محمد الحبيب الهيلة وردت العبارة في الكتاب ج 1 ص 73 : بالشكل التالي : لا سُجُودَ الْمُسْلِمِ لِقَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ لا يُكَفَّرُ بِهِ أَصْلا، بَلْ يَكُونُ عَاصِيًا فَلْيَعْرِفْ أَنَّ هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الصَّلاةُ إِلَى الْقَبْرِ.اهـ وكم لهذا من أشباه !

 ([4])الشوكاني - السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار ، الناشر: دار ابن حزم ، الطبعة: الطبعة الأولى .