الإمامة

هل انت شيعي؟!

الشيخ عبد المهدي الكربلائي 24-03-2018 2004

ما هي حقيقة التشيّع؟ ما هو جوهر التشيّع الذي أراده أهل البيت (عليهم السلام)؟ وكيف نجسّد صدق الانتماء والانتساب لهم؟

إن المتتبّع لروايات أهل البيت عليهم السلام يجد فيها اهتماماً واضحاً وكبيراً لبيان حقيقة وجوهر التشيّع والانتماء لأهل البيت، وقد نبّه الأئمّة (عليهم السلام) من أجل إيقاظ الأمّة وتنبيه من وقع في توهّمٍ خاطئ، والتصوّر المظنون بعيد عن حقيقة الانتماء لأهل البيت وهذا التوهّم موجود لدى الكثير ومنذ زمن الأئمّة (عليهم السلام) وفي أزمنتنا هذه وفي بقيّة الأزمنة.

وهمٌ لا بد أن يرفع!

إنّ مجرّد الاعتقاد بمنزلة ومرتبة ومقام أهل البيت (عليهم السلام) وإنّ مجرّد حبّهم ومجرّد الادّعاء بالانتساب والانتماء إليهم، ومجرّد القيام ببعض الأعمال العبادية وبعض الأمور الأخرى التي تعبّر عن المشاركة للأئمّة (عليهم السلام) في مناسباتهم وأفراحهم وأحزانهم، فإنّ ذلك لا يكفي لصدق الانتماء وحقيقة الانتماء لأهل البيت.

هناك الكثير من الأحاديث التي بيّنها الأئمّة (عليهم السلام) أنّ هذا الأمر وهمٌ خاطئ فلا بدّ أن نرفع هذا الوهم ولابدّ أن يكون لدينا التصوّر الحقيقي الذي أراده أهل البيت (عليهم السلام) في بيان حقيقة الانتماء لهم، وكيف نجسّد صدق الادّعاء.

فهل يكفي مجرّد الادّعاء باللّسان أنّني من شيعة ومن محبّي أهل البيت (عليهم السلام)؟ هل يكفي مجرّد إعلان الحبّ؟ هل يكفي مجرّد المشاركة في المناسبات التي تُظهر الفرح لأفراحهم والحُزن لأحزانهم؟! هل يكفي مجرّد أداء الصلاة والصيام وبعض العبادات؟! وهل يكفي مجرّد زيارة الأرئمة (عليهم السلام)؟ هل يكفي هذا بأن نقول نحن من المنتسبين حقّاً والمنتمين صدقاً لأهل البيت أم أنّ هناك أمراً أعمق وأبعد بكثير من مجرّد هذه الأمور.

ليس من الشيعة!

لقد ذكر الأئمّة (عليهم السلام) مجموعة من المواصفات والمقوّمات التي لو اجتمعت حينئذٍ سيرتقي الإنسان الى حقيقة وجوهر التشيّع لأهل البيت (عليهم السلام)، وإذا أتى ببعضها وترك البعض الآخر إمّا لعدم معرفته أو لغفلته أو لاعتقاده أنّ هذا البعض الذي يأتي به هو الأهمّ والبعض الآخر ليس بمهمّ، فإنّه ليس من شيعة أهل البيت (عليهم السلام)..

فليعرض كلّ واحدٍ منكم سيرته وصفاته وأعماله على هذا الحديث، ولينظر هل اجتمعت فيه هذه الصفات حتّى يُمكن أن يدّعي أنّه من شيعة أهل البيت ومن أتباعهم حقاً أم أنّ هذا مجرّد ادّعاء باللسان ومجرّد حب وعاطفة بالقلب لا ترتقي الى مستوى الالتزام العمليّ الذي أكّد عليه أهل البيت (عليهم السلام).

هذا هو التشيّع

لقد اهتمّ الإمام الباقر (عليه السلام) وبقيّة الأئمّة (عليهم السلام) بتحديد مقوّمات ومواصفات مفهوم التشيّع من خلال ذكر هذه المواصفات في روايات كثيرة نقلها أصحاب الأئمّة (عليهم السلام):

عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام) قَالَ: قَالَ لِي: يَا جَابِرُ، أَيَكْتَفِي مَنِ انْتَحَلَ التَّشَيُّعَ أَنْ يَقُولَ بِحُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَوَاللَّهِ، مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَأَطَاعَهُ، وَمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ يَا جَابِرُ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ، وَالتَّخَشُّعِ، وَالْأَمَانَةِ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالصَّوْمِ، وَالصَّلاةِ، وَالْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ، وَالتَّعَاهُدِ لِلْجِيرَانِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ، وَالْغَارِمِينَ، وَالأَيْتَامِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَتِلاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَفِّ الأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلّا مِنْ خَيْرٍ، وَكَانُوا أُمَنَاءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الْأَشْيَاءِ. قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا نَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَداً بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

الإمام الباقر(عليه السلام) يقول –التفتوا- لدى الكثير منكم توهّم خاطئ وهذا التوهّم الخاطئ لو بقيَ له آثار خطيرة منها:

1- له آثار على سيرة ومنهج عمل شيعة أهل البيت الذي يجب أن يتجسّد على أرض الواقع في سيرة أتباع وشيعة أهل البيت (عليهم السلام).

2- لو بقيَ هذا التوهّم فإنّه سينعكس سلباً على سمعة مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

هناك مجموعة من المواصفات التي تجسّد حقيقة الانتماء الحقيقي لأهل البيت (عليهم السلام)، عبادة وأخلاق وتكافل اجتماعي والرحمة في قلوب المؤمنين والأمانة وصدق الحديث، وهكذا مجموعة من الأمور والنظم ومجموعة من مناهج الحياة لو التزمتم بها حينئذٍ ستكونون من شيعة أهل البيت (عليهم السلام).

أنت تصلّي وتصوم وتُقيم المجالس ولكن تغتاب الناس.. إذن أنت لست في مقام التشيّع، أنت تصلّي وتصوم وتُظهر الفرح في أفراح أهل البيت وتحزن في أحزانهم ولكن لديك نميمة أو لديك كذب أو افتراء أو شتم أو سبّ أو مجموعة من الأخلاق البذيئة.. إذن أنت لست في مقام التشيّع.. أنت محبّ أو موالي نعم.. ولكن لست في مقام التشيّع..

لاحظوا قول الإمام (عليه السلام): (فَوَاللَّهِ، مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَأَطَاعَهُ، وَمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ يَا جَابِرُ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ، وَالتَّخَشُّعِ، وَالْأَمَانَةِ...).

التشيّع الحقيقي

الشيعيّ الحقيقيّ صارت صفته التواضع والتخشّع والأمانة وباقي الصفات.. صفات معروفٌ بها وثابتة لديه وراسخة عنده فهو تراه دائماً في حال التواضع لا أنّه في بعض الأيّام متواضع وفي أيّام أخرى متكبّر.. وهكذا في بقية الصفات من حفظ الأمانة وصدق الحديث..

الأنبياء بأجمهم بُعثوا من أجل الأمانة وصدق الحديث، فيجب حفظ الأمانة حتى لو كان الإنسان باغياً أو فاجراً أو فاسقاً، هناك أمانة منه لديّ يجب أحفظ هذه الأمانة.. هذه أمانة المال أو غيره..

وهناك أمانة الأسرار، ففي المهنة أو العمل الذي أقوم به فيه أسرار فعليَّ أن أحفظ الأسرار من الأعداء ومن الآخرين الذي يضرّون بهذا العمل وهذا التوجّه إن كُشفت لهم هذه الأسرار.

الإنسان المؤمن عرضُه وسمعتُه أمانة لديّ فعليَّ أن أحفظها.. وهناك أمانة المهنة والوظيفة المكلّف بها.

ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): (امتحنوا شيعتنا عند مواقيت الصلوات كيف محافظتهم عليها، وإلى أسرارنا كيف حفظهم لها عند عدوِّنا، وإلى أموالهم كيف مواساتهم لإخوانهم فيها).

الشيعيّ الصادق والحقيقيّ هو الذي يعتبر إخوانه شركاء له في ماله، فإذا كانوا من أصحاب الحاجة خصوصاً من جيرانه وأرحامه وأصدقائه بادر هو الى رفع حاجتهم ولا يضطرّهم الى السؤال وإراقة ماء وجههم حتّى يطلبوا منه شيئاً من ماله.. والشيعيّ الصادق في تشيّعه هو الذي يقدِّم الآخرين على نفسه.

الشيعيّ هو الذي تَطهَّر لسانُه وارتقى بذكر الله تعالى وطهَّره من هذه الآفات وهي آفات اللّسان.

*من الخطبة الثانية لصلاة الجماعة التي أُقيمت في الصحن الحسينيّ الشريف في الـ (5 رجب 1439هـ) الموافق لـ (23 آذار 2018م)