فكر وثقافة

السلوك الإنساني.. بين الديني والوضعي

الشيخ صلاح الخاقاني 18-09-2019 1574

السلوك في الواقع البشري لا يتحرك على أساس من الوعي والوجدان الانسانيين بقدر ما يتحدد بحدود الظرف التاريخي وعوامله المادية, بل ان للوعي والوجدان لدى الانسان شكلا يحدده الظرف التاريخي غالبا, فالعبودية لم تنته كمرحلة تاريخية إلا بفعل الآلة ـ التي مثلت السبب الاكثر فعالية ـ حين سدّت مسد اليد البشرية, وحين تم ذلك اليوم تولد, لدى العنصر الابيض, شعور بقبح الرق والتفريق على اساس اللون, في حين انه كان يرى في ذلك التفريق الصورة الطبيعية للحياة, فلو قدّر للحياة اليوم ان تفقد التطور الآلي والتكنلوجي ويعود الانتاج الزراعي والصناعي الى حاجته الاولى لليد البشرية لاستتبع ذلك ـ آليا ـ تبدل الشعور الرافض للتفريق العنصري بالشعور السابق في التعايش الطبيعي مع فكرة الرق والعبودية. إن الطريقة التي تصنع للحياة صورتها الايجابية تكمن في جعل الانسان يعيش ضمن اطار يتجاوز الواقع التاريخي ليعيش انسانيته بشكلها الثابت المحض, وهذا ما يمثل ماهية الدين السماوي بربط الانسان بالمطلق وهو الله سبحانه. هنا نكون امام دعوى لشد ما يطلقها الطرف المناوئ للدين, سواء في حقيقته او دوره خارج اطار المعتقد والشعيرة, في أننا نلمس ذلك التجاوز للواقع التاريخي في نماذج مؤمنة وكافرة على السواء, وهذا حق ولكن:

1ـ ان وجود نماذج ـ مؤمنة وكافرة على السواء ـ تجاوزت الواقع التاريخي لا يتجاوز افرادا محدودين يمكننا تسميتهم بالأبطال التاريخيين, ولا يمكن ان نعتمد فيما يصنع للحياة ـ بشكل شمولي ـ صورتها الايجابية, على طريقة لا تنتج غير افراد محدودين.

2ـ إن تجاوز الكافر للواقع التاريخي ينبع من خصوصيات ذاتية توفرت لديه, فيما يمثل الدين السماوي منهجا شموليا يدفع النوع الانساني لتجاوز الواقع التاريخي.

3ـ وإذا ما قيل في أن الكفر يعتمد منهجا شموليا ايضا وهو الانسانية, سنكون إزاء منهجين لتجاوز الواقع التاريخي وهما الانسانية لدى الكافر والارتباط بالله جل وعلا لدى المؤمن, فأيهما أقدر على خلق ذلك التجاوز؟!

إن مشكلة الانسانية التي يعتمدها الكافر, هي انها فكرة من داخل التاريخ ـ سواء كونها انفعالا نفسيا او فكرة عقلية تنظم علاقة الذات بالآخر ـ وتنشأ بفعل عوامل التاريخ كما بيّنت في مثال العبودية انفا, فيما يعتمد المؤمن على فكرة الارتباط بالله المطلق المتجاوز للتاريخ وهذا ما يحسم الامر لصالح المؤمن على الصعيد المنطقي في حدود هذه النقطة.

4ـ إن الايمان بالله المطلق الخالق وما يؤديه من ايمان بأن البشر, على الاطلاق, مخلوقون من قبل الله, يجعل من الله والفرد والاخر ثالوثا يسبح في الفراغ متجاوزا كل العوالق المادية والتاريخية التي شوهت مفهوم الانسانية في كل الحضارات التي قامت على اساس جغرافي كالبابلية والمصرية او اساس قومي كالإغريق والرومان او الاساس التكنلوجي كما في اروبا وامريكا اليوم, وكل ما نظّّر به الفلاسفة حول علاقة الفرد بالآخر بدءا بمقولة الناس عبيد وبربر لأرسطو وانتهاء بإنسان نيتشه السوبرمان. يقول نبي الاسلام ص " كلكم سواسية كأسنان المشط" و " كلكم لادم وآدم من تراب". إن سور القضيتين (كل) بما يعنيه من دلالة تشمل البشر كافة, على اختلاف الاعراق والالوان والأمصار, هو التمثيل الحقيقي لمفهوم الانسانية , ولما كان أثر الاختلاف في الاعراق والالوان والامصار هو تجسيد للواقع التاريخي, كان الـ ( كل), بما يعنيه من دلالة تشمل البشر كافة, هو خروج عن الواقع التاريخي.

إن عملية الارتباط بالله ليست وصفة جاهزة يحققها الانسان من خلال الهوية العقائدية, بل هي جهد نفسي جبار (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) (الانشقاق6), وبهذا تبطل الدعوى التي يعتمدها الطرف المناوئ للدين والمتقومة على اساس من اعتبار المجتمعات الاسلامية ممثلا لفكرة الايمان وبالتالي محاكمة فكرة الايمان على اساس ذلك الاعتبار.

5ـ إن الكدح متاح للمؤمن والكافر ولكن الاختلاف فيما ينتهي اليه ذلك الكدح. فسارتر الملحد حين عظّم من استقلالية الانسانية اعتمادا على صدفة وجوده أدى ذلك الى ما أطلقه البير كامو من دعوى للانتحار, وتقديس فلاسفة النهضة للفكر الوضعي ومركزية الانسان أدى هو الاخر لان تكون اوروبا مسرحا مرعبا خلال الحربين العالميتين, حيث ان الانسانية في معطيات الفكر الوضعي تعني اصالة اللذة والمنفعة, في حين ينتهي الكدح المؤمن الى الثالوث السابح في الفراغ وفيه تقنن اللذة والمنفعة من خلال الارتباط بالمطلق.

6ـ الهوة السحيقة الموجودة بين عملية الارتباط بالمطلق بشرطها الكدح وبين الواقع المعاش لايعني عدم صلاحيتها وحتمية اعتمادها كوسيلة فضلى تصل بالبشرية الى الحالة المثال,انها فكرة مثالية وليست خيالية والفارق كبير. كما ان الهوة الموجودة بين فكرة التقيد بالشروط الصحية واعتماد النظافة وبين الواقع المعاش لقبيلة بدائية لايعني خطأ الفكرة او يمس ضرورة التقيد بها إذا ما ارادت القبيلة الوصول الى حياة صحية مثالية. بمعنى ان من الخطأ ان نحاكم الفكرة على اساس الواقع حين تكون الفكرة هي الاداة لتغيير الواقع