فكر وثقافة

العنف في السيرة النبوية -١- «المدخل»

الشيخ صلاح الخاقاني 26-08-2019 207

لطالما اتخذت علاقة الغرب بالإسلام حالة الصراع الدائم،  واتخذ هذا الصراع ألواناً متعددة بدءاً بالصدام المباشر والمتمثل بالحروب الصليبية التي استمرت زهاء القرنين من الزمن حين أعلن البابا أريان الثاني (عام 1095م) الحرب تحت راية الصليب ضد المسلمين لاسترداد بيت المقدس، ومع إطلالة الثورة الصناعية في أوربا في القرن الثامن عشر كناتج عملي للثورة الكبرى التي حققها الأوربيون في واقعهم الحضاري من خلال مايسمى بـ (عصر النهضة) وما أفرزته هذه الثورة من حاجة ماسة الى عنصري الصناعة الأساسيين، المواد الخام والسوق،  مما حدا بالدول الأوربية الى إطلاق مشاريع استعمارية ضخمة في الدول الإسلامية لما تتمتع به من وفرة في المواد الخام والموارد الطبيعية. وفي ما يتعلق بالإسلام فإن الدول الأوربية في سعيها الحثيث آنذاك إلى بسط هيمنتها على دولة المسلمين ولِما خبرته في الحروب الصليبية من حقيقة ما يتمتع به الإسلام من قدرة على توحيد المسلمين تحت رايته وبث القوة فيهم،  راحت تعبئ ـ إضافة إلى قواتها العسكرية الغازية ـ قوات الفكر المغرض وتنشرها على امتداد الجبهة العقائدية والفكرية الإسلامية. فكانت حركة الاستشراق وعملها الدؤوب في تشويه حقائق التاريخ الإسلامي وإنزال المقدس الديني، كالنص القرآني والنبوة، إلى دائرة النسبية والخضوع إلى عوامل التاريخ.                    

  وتبدأ مع تماس الأوربيين بتجربتهم العلمانية ورقيهم الحضاري مع المسلمين دوامة البحث عن سبل الرقي والتطور في المجتمع الإسلامي من خلال مسايرة التجربة الأوربية في إقصاء الدين والحكم على الإسلام بالجمود أو ضرورة التصرف بمفرداته التشريعية بما ينسجم مع معطيات الواقع المتجدد.

وبعد انتهاء ما يسمى بالحرب الباردة وانهيار المعسكر الشيوعي وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى تحكم العالم،  شهد الصراع الإسلامي الغربي لوناً جديداً تمثل بالسعي الحثيث في إلصاق فرية العنف والدموية بالإسلام،  وإظهاره مظهر الجسم الناقل لفايروس الإرهاب  في كل أنحاء عالمنا المعاصر.

وعلى امتداد زمن الصراع نهض عدد لا يحصى من الكتاب الإسلاميين للدفاع عن الإسلام وصد الهجمات المغرضة عن حياضه. فكان لهم الأثر البالغ والدور الفعال في هذا الخصوص. وماتغص به المكتبة الإسلامية من عناوين عقائدية وفكرية وفقهية خير شاهد على ذلك.

وفي هذا المضمار نجد ان من النافع والضروري التصدي بتقديم هذا الملف الذي هو مساهمة متواضعة في التصدي لفرية أن العنف والإرهاب من نتاج الفكر الإسلامي وأن ما تقوم به منظمتا القاعدة وداعش اليوم وما تحملانه من تطرف أو تمارسانه من سلوكيات بعيدة تماماً عن الإنسانية هو تجسيد فعلي لمحتوى الإسلام ومضامينه الفكرية،  من خلال تسليط الضوء على السيرة النبوية الوضاءة وما حملته من معاني الخير والسلام والإنسانية،  والرد على الاحتجاجات والادعاءات الرامية إلى تصوير الجانب الحربي من دعوة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) من حروب وغزوات على أنه مصداق لمبادرات العنف والاعتداء التي يتبناها الدين الإسلامي.

يتبع...