فكر وثقافة

الكوجيتو العلوي هو الحل!

الشيخ صلاح الخاقاني 21-08-2019 148

- الآراء الواردة في هذا المقال لا تمثل بالضرورة رأي موقع "الأئمة الإثني عشر"

إن الحل الناجع والأساس الذي علينا أن نعتمده في خلق ثقافة إسلامية حقيقية تنفض عن واقعنا المؤلم كل أدران الانحطاط الفكري وتحصن الإسلام وأبناءه, يكمن في قولة فاه بها أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) في موقعة الجمل حين سأله الحارث بن حوط

ـ أيجتمع الزبير وطلحة وعائشة على باطل!

فأجابه الإمام (عليه السلام):

ـ يا حارث إنه ملبوس عليك. إن الحق والباطل لا يعرفان بالناس ولكن اعرف الحق  تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف من أتاه..

لقد سبق الإمام علي (عليه السلام) في قولته هذه الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت بفكرة الكوجيتو, والدعوة إلى الشك العلمي المطلق, وأن يكون العقل برائده الحق هو المعيار الثابت الذي تتهاوى عنده كل المسلمات والثوابت والمسميات وعوالق التسليم والعقائد المسبقة, ويعاد النظر في كل القضايا المأخوذ بها على أساسٍ هو الحق, ولاشك أن الحق هو ماتقره الضرورة المنطقية وتنزله منزل الثابت والحتمي والباطل كل ما هو خلاف ذلك..

ولتطبيق كوجيتو الإمام علي (عليه السلام) سنقوم بحجب كل المسميات وخلع الرواسب العقائدية والبيئية ونتساءل، على أساس من هذا، مثلاً:

  1. لو نظرنا ـ على امتداد التاريخ البشري ـ إلى أي تكوين ذي هرمية اجتماعية تنتهي برئيس، من أبسط تلك النماذج وهي القبائل البدائية التي تخضع لكبير أو زعيم فيها في بدايات التاريخ إلى يومنا هذا, نجد الاستخلاف ومن يسد مسد الزعيم مسألة مفروغاً منها ولا يمكن تجاهلها. بل إن التجاهل هو قضية غريبة وغير قابلة للطرح عند الإنسان. فهل يعقل بعد هذا, في مشروع نتفق على أنه أعظم مشروع للبشرية ويخاطب الناس جميعاً على البعدين الزماني والمكاني, أن يتجاهل رئيس الدولة الذي نهض بهذا المشروع أمر الخلافة بعده بشكل تام وكلي, وقد أخبر عن موته وأنه مفارق هذه الحياة, وهو يعلم حين وفاته بمقدار الخطر المحدق بدولته من نواح شتى, وبالطريق الطويل الذي مازال ينتظر مشروعه؟!

وكيف لم يخطر في ذهن أيٍ ممن كانوا مع الرئيس من أناس ـ يعتبرون ذوي دراية استثنائية في التاريخ البشري ـ أي تساؤل عن مسألة الخلافة وكأنها مفردة من خارج الوعي الإنساني؟!

والطريف أن من كانوا معه, تجمعوا في اللحظة الأولى لموت الرئيس ليناقشوا أمر الخلافة, منطلقين من أنه أمر لا يمكن إلا أن يفَكرّ فيه ويُبت, وإلا ضاعت الأمة وتفرقت وذهب المشروع العالمي أدراج الرياح, لينتهي اجتماعهم بإقرار مفهوم عدوّه القاعدة والأساس في اختيار الخليفة. ثم لا نجد أحداً من الناهضين بهذا المشروع والمتصدين لقيادة الدولة يتطرق للمفهوم الذي اعتُمد كقاعدة وأساس, أو يتعامل مع أمر الاستخلاف بصورة تمس حتمية التفكير فيه واتخاذ القرار بشأنه!

  1. لنفترض أن مؤامرةً دنيئة انتهت بمقتل رجل يعد من أنبل وأفضل 10 رجال في تاريخ الإنسانية, وليكن عدد المتآمرين 100 شخص. ولأي سبب كان لم يلق القبض على المتآمرين ويقدموا للقصاص. ولنفرض أن السبب في ذلك هو أن مسؤولاً استلم رشوة مالية ونجح في حجبهم عن العدالة, فانتفض عدد من الأشخاص الغيورين على الدولة ومجرى العدالة فيها, ونادوا بضرورة فضح هذه المفسدة الإدارية وتسليم القتلة إلى القضاء, فهل يعقل أن يسمح لهؤلاء الغيورين ـ ولأي سبب كان ـ أن يشعلوا حروباً تقصم ظهر الدولة ويروح ضحيتها عشرات الآلاف من أبناء البلد الأبرياء, لتحقيق الغاية في الاقتصاص من 100 شخص؟!
  2.  لنتخيل حزباً يتبنى قيماً فاضلة قاد ثورة ضد الحكومة الجائرة المستبدة الفاسدة التي يؤثر أقطابها أنفسهم بالمال تاركين الشعب يعاني. ثم نجح ذلك الحزب باستلام مقاليد الحكم، وتسامح مع أقطاب الحكومة المنحلة الذين لم يتركوا جهداً في محاربته دفاعاً عن مصالحهم ومراكزهم, تسامح معهم بأن يعفو عنهم شريطة أن ينتموا إلى حزبه  ويعيشوا القيم الفاضلة التي يدعوا إليها، وإلا أنزل بهم ما يستحقون من قصاص. وبعد عشر سنوات ساءت احوال الدولة وعادت إلى ما كانت عليه من الفساد والطبقية, والتفتنا فوجدنا أقطاب الحكومة السابقة يحتلون المراكز القيادية في الدولة. فهل يعقل أن نفسر الانحراف بأن رجلاً طارئاً على الأحداث لا يملك غير فكرة معينة هو السبب وراء كل ذلك, وأما اقطاب الحكومة السابقة فبريئون براءة الذئب من دم يوسف, إذ أنهم انتموا إلى الحزب الصالح وحسن انصهارهم بقيمه الفاضلة, ولا يجوز حتى سوء الظن بهم؟!
  3. لنتصور حكومة اتبعت سياسة ما في الرعية, وتعاملت مع الشعب تعاملاً معيناً. ثم تفجرت من الرعية ثورة عارمة تقودها جهة ما منددة بسياسة الحكومة وتصفها بأنها جائرة وغاشمة وفاسدة, حتى نجحت هذه الجهة في إسقاط تلك الحكومة, وأبادت كل أفرادها لتكون هي حكومة جديدة, فهل يمكن بعد هذا أن ننزه الحكومتين وأن نعتبر كليهما مثالاً إنسانياً رائعاً وأن على الإنسانية أن تقتدي بهما؟
  4. لنتفق أن المشروعَ مشروعٌ إلهي جاء ليسد عجز الإنسان لطبيعته البشرية في الوصول إلى شريعة ومنهاج متكاملين. فهل يعقل أن نسلم هذا المشروع إلى أناس لا يتجاوزون الطبيعة البشرية ليبتوا فيه ويقرروا مفرداته ويضيفوا إليه من آرائهم ما يحسب عليه. ولنتفق أن المشروع يُعنى بالإنسان على مر العصور ثم نوقف البت فيه على أولئك النخبة التي عاشت قبل 1500 سنة في إطار من الطبيعة البشرية وحدود وعيها, ثم نعالج القضايا المعاصرة بطرح يتقوّم باستلهام بشري للمنجز البشري الذي قدمته  تلك النخبة ونصرح بأن هذا الطرح يتفوق على كل الأطروحات الإنسانية الأخرى لأنه من السماء؟!

لو أجبنا عن مثل هذه التساؤلات بما يمليه علينا الكوجيتو العلوي, بحجب المسميات وبمعزل تام عن رواسب المسبقات، فلن نحل ـ عندئذ ـ مشكلة العنف فقط , وإنما نضع حداً لكل الضياع الذي يعيشه المسلمون منذ قرون.