تاريخ

يقولون إنها تعيش في عزلة: ما الذي قدمته المرجعية للعراقيين؟!

آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم 11-10-2019 733

 

حثّ الإسلام أفراد المسلمين عموماً على الاهتمام بشؤون المسلمين، حتى ورد أن من أصبح لايهتم بأُمور المسلمين فليس بمسلم[١]، وأن المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً[٢].

فإذا كان الاهتمام بأُمور المسلمين مطلوباً من افرادهم عموماً، فكيف بعلماء الدين ومراجع المسلمين الذين هم الأعرف بأحكام الإسلام وتعاليمه الشريفة، والأحرى بالجري عليها والأخذ بها. ولا سيما بعد إطلاعهم على مشاكل الأُمَّة بسبب احتكاكهم بالناس، وتعرفهم عليهم، وانشدادهم لهم بحكم مركزهم.

ويشهد على ما ذكرنا أمران معروفان من حال مراجعنا العظام وسيرتهم..

الأول: أن المرجع كثيراً ما يتخلى عن دروسه التقليدية وكثير من التزاماته الخاصة ـ في بعض عباداته والتزاماته ـ نتيجة انشغاله بشؤون المرجعية ومشاكل الناس ومتاعب الأُمَّة، لأنها بنظره أهمّ من تلك الالتزامات التي أفنى عمره فيها اهتماماً بها، وألفها في حياته طويلاً وأحبها.

الثاني: أن المرجع كثيراً مّا يتعرض للمحن والمضايقات من أعداء الأُمَّة والحاقدين عليها، ولولا اهتمامه بأُمور الأُمَّة، ومشاركته لها في آلامها وآمالها، وسعيه لخيرها، ودفاعه عنها، ومطالبته بحقوقها، لما تعرض لذلك.

بل كثيراً ما يكون هو في واجهة المحنة، وعليه ينصب الحقد والنقمة.

وكم وقف علماؤنا الأعلام ومراجعنا العظام من العتاة والظالمين موقف الخصم المدافع عن حقوق المؤمنين المظلومين، والساعي لدفع الظلامات عنهم، واهتموا بمعالجة مشاكلهم ومواساتهم في محنهم وإصلاح أمورهم، وسد حاجاتهم العامة والخاصة..

1 ـ فالمرجع الشهير كاشف الغطاء الكبير (قدس سره) [٣] قد تشفَّع عند السلطان فتح علي شاه في إطلاق سراح الأسرى العثمانيين[٤] من أجل تخفيف حدّة التوتر بين الدولتين، وتجنيب الشعبين المسلمين مآسي ذلك.

2 ـ كما أنه (قدس سره) قد صان النجف الأشرف ودفع عنه غارات الوهابيين التي كانت تقصده وتكاد تفتك به كما فتكت بكربلاء، فأعدّ العُدّة للدفاع بحمل أهل العلم والنجفيين على التدريب على حمل السلاح والدفاع عن البلد، وكان هو (قدس سره) وأولاده وأهل العلم يباشرون ذلك مع الناس[٥]، في وقائع مفصلة استفاضت في تفصيلها أحاديث المؤرخين، وتواترت عند الناس.

3 ـ وكان مفزعاً للمستضعفين وكهفاً لهم في الفتنة المعروفة بين فرقتي الشمرت والزكرت في النجف الأشرف[٦].

كما تحمل عن النجفيين بعض الضرائب الفادحة التي وضعها العثمانيون[٧].. إلى غير ذلك من أعماله الجليلة.

4 ـ وولده الشيخ موسى (قدس سره) [٨] ـ الذي خلفه في المرجعية ـ هو الذي منع الوالي العثماني داود باشا من فرض التجنيد الإجباري على النجفيين[٩]، وقد فرض شخصيته عليه، فكان يعظمه كثيراً[١٠].

5 ـ كما أنه أصلح بين الدولتين الإيرانية والعثمانية[1١]، وجنب الشعبين المسلمين محنة الخلاف بينهما ومآسيه.

6 ـ وسعى في حفظ خزانة العتبة المقدسة في النجف الأشرف، فسجلها ونقلها إلى الكاظمية احتياطاً عليها من غارات الوهابيين[1٢].

7 ـ وأخوه الشيخ حسن[1٣] قد دفع عن النجف الأشرف عادية الوالي العثماني نجيب باشا، حيث إنه بعد أن فتك بكربلاء توجه بجيشه للنجف، للفتك بها وتدميرها، فخرج إليه الشيخ حسن (قدس سره) وسيطر على مشاعره حتى ثناه عن عزمه، فدخل النجف سلماً في قصة طويلة[1٤].

8 ـ ودافع عن الشيعة في موقف له محمود مع علماء بغداد في عهد الوالي المذكور.

9 ـ وكان له موقف مشرف في إخماد فتنة الشمرت والزكرت التي أضرت بالنجف والنجفيين[1٥].

10 ـ والشيخ الجليل صاحب الجواهر (قدس سره) [1٦] قد عرف عنه أنه نهض للنجفيين عند هجوم الطاعون عليهم سنة (1247 هـ) ، وسارع لغوثهم ومواساتهم.

وكذلك كان موقف العَلَم المقدس السيد محمد باقر القزويني (قدس سره) [1٧] حيث وقف في ذلك الطاعون موقفاً مشرفاً لتنظيم أُمور الناس وسد حاجاتهم فيه، وكان آخر من توفى بالطاعون المذكور[1٨].

11 ـ كما أنه قد جدّ واجتهد في مشروع إيصال ماء الشرب للنجف الأشرف حتى أشرف على إنهائه، إلا أن الأجل لم يمهله لإكماله، فبقي معطلاً مدة طويلة، ثم أكمله السيد الجليل السيد أسد الله الرشتي (قدس سره) [١٩].

12 ـ ولما اشتد الغلاء سارع السيد الشيرازي الكبير (قدس سره) لتخفيف وطأته عن أهالي النجف الأشرف، فعين لكل محلة من محلات النجف ولكل فئة من سكانها جماعة يوزعون الحبوب على المحتاجين، واستمر على ذلك حتى حلّ موسم الحصاد الجديد، وارتفعت الشدة عن الناس[2٠].

13 ـ وكان (قدس سره) يعطي فيفضل، وينيل فيجزل، وكان يجمع للفقراء وأهل القرى والبوادي ما يحتاجون إليه من ألبسة وأطعمة في السنة مرتين[2١].

14 ـ ولما ذهب إلى سامراء نصب جسراً من القوارب على نهر دجلة أمامها بلغت كلفته ـ فيما قيل ـ ألف ليرة عثمانية، لتسهيل العبور على الناس والزوار، وله منشآت خدمية مهمة في سامراء[2٢].

15 ـ ولما رأى المرحوم الشيخ محمد الشربيان  ي (قدس سره) [2٣] ما يتعرض له الحجاج على الطريق البري من النجف الأشرف على جبل «حايل» من مخاطر ومهالك، ونصب وعطب، جهد في منع الطريق، وحرّم سلوكه حفاظاً على أرواح المؤمنين، مما اضطر الحكومة الإيرانية إلى منع حجاجها منه.

ووافقه بقية العلماء لما استبان لهم صحة وجهة نظره بالتجربة، فانقطع الطريق تماماً في بعض السنين[2٤].

16 ـ وقد أنشأ المرحوم المقدس المرجع الديني الشيخ محمد طه (طاب ثراه) خاناً كبيراً في الهندية ينزله الزائرون للإمام الحسين (عليه السلام) في طريقهم الى كربلاء ، من أجل تخفيف معاناتهم.

17 ـ ثم تتابعت الأحداث التي بذل فيها العلماء أنفسهم للدفاع عن الإسلام والمسلمين، وتدبير أمورهم، من أواخر القرن الثالث عشر الهجري إلى أواسط القرن الرابع عشر[2٥].

18 ـ ولما اصطدم الأتراك بالنجفيين في أواخر أيامهم في العراق ووجهوا مدافعهم نحوهم فأصابت بعض القذائف الصحن الشريف وألحقت بعض الأضرار به، أبرق المرحوم المرجع الكبير السيد محمد كاظم اليزدي (قدس سره) للأستانة محتجاً على ما حصل من التعدي على الصحن الشريف وعلى الناس[2٦].

19 - وأنشأ السيد اليزدي المذكور (قدس سره) خاناً كبيراً في النجف الأشرف في محلة العمارة للزائرين ينزله من لايتيسر له المأوى منهم، وبقي هذا الخان الى أيامنا حتى تعطّل، فراجع بعض أولاده سيدنا الجد السيد الحكيم (قدس سره) فجعله مدرسة دينية بعد أن غير فيه وحوّر ، وأنفق سيدنا الجدّ (قدس سره) نفقات باهضة من أجل ذلك لكنه هُدّم في الأعوام القريبة في ضمن ما هدم من محلة العمارة.

20 ـ وعرض المرجع الشهير السيد أبو الحسن الأصفهاني (قدس سره) في أواسط القرن المذكور على الوصي حين اجتمع به ـ فيما بلغنا ـ أن يضع جسراً على نهر دجلة مقابل سامراء لتسهيل الأمر على الزائرين، حيث استهلك الجسر الذي صنعه السيد الشيرازي (قدس سره) قبل نصف قرن، وكان العبور منحصراً بالطريق النهري آنذاك لكنه لم يتمّ له ما أراد.

21 - كما أنه حاول التخفيف عن معاناة الناس كافة، في النجف الأشرف لما ظهرت بوادر أزمة الحنطة بسبب الحرب العالمية الثانية، حيث يقول المتحدث : «فأخذ على عاتقه جلب الأطعمة الى النجف وأمر بزيادة الأفران ومضاعفة الترفيه حتّى صارت الحرب من وسائل النعمة والاغداق على كثير من الفقراء»[٢٧].

22 ـ وقد طالب المرحوم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قدس سره) وجماعة من أهل العلم بحقوق الشيعة في العراق في العهد الملكي، واستقطب جمعاً كثيراً في ذلك، إلا أن الناس الذين نهضوا معه خذلوه، ولم يستطع أن يحقق شيئاً; بل عانوا الكثير من الدولة في أعقاب ذلك.

23 ـ وقد كان سيدنا الجد السيد الحكيم (قدس سره) في عهد مرجعيته الطويل الذي عشناه ملجأ للمؤمنين في العراق وخارجه، وكان دأبه القيام بحلّ مشاكلهم، والمطالبة بحقوقهم، ودفع الظلامات عنهم، والاهتمام بشؤونهم، وبتثقيفهم دينياً، وجمع كلمتهم، وإصلاح ذات بينهم.. إلى غير ذلك مما لا يزال الناس يذكرونه به ويشكرونه له، في مختلف البلاد الإسلامية.

وجاء مَن بعده ليؤدوا ما عليهم في هذا الجانب ضمن قدراتهم المحدودة وظروفهم الصعبة، والأوضاع المعقدة التي مضوا فيها بصبر وحكمة، وليس لهم إلا الله تعالى، وعليه جزاؤهم.

هذا غيض من فيض مما قامت به المرجعيات في العراق في العصور القريبة. ولا يتيسر لنا استعراض ما قامت به في العصور الأسبق، ولا ما قامت به المرجعيات في الأقطار الأخرى، ولا سيما إيران حيث تكون المرجعيات فيها أوسع قدرة وأعم نشاطاً. لعدم تيسر مصادر الكثير منه لنا، ولئلا يطول المقام بنا.

24 ـ على أن من المعروف من سيرة المرجعيات في العهود الطويلة وإلى اليوم بذل قسط من الحقوق الشرعية التي تصلهم لإقامة المشاريع العامة النافعة، كالمساجد والحسينيات، وأماكن ايواء المسافرين وغيرها، كما تقوم ببذل قسط آخر منها للمعوزين والفقراء، وتتفقدهم وتحسن إليهم.

وهذا أمر لا يمكن تجاهله وإنكاره، وقد تقدم بعضه. وإن اختلف سعة وضيقاً باختلاف المراجع، تبعاً لاختلاف قدراتهم، ووجهات نظرهم. ولكثير منهم في ذلك مواقف مثالية. ولا مجال لإطالة الكلام فيه وفي ذكر الأمثلة له بعد وضوحه وشيوعه وكثرته، بنحو يتعذر استقصاؤه أو الإحاطة بأكثره، فضلاً عن استيفائه كله.


الهوامش: 

 [١] راجع الوسائل: 11 باب 18 من أبواب فعل المعروف .

[٢] صحيح البخاري: 1 / 123 .

[٣] الشيخ جعفر الشيخ خضر كاشف الغطاء (1154 ـ 1227 هـ) تولى الزعامة الدينية في عصره ، ولد ونبغ وتوفي في النجف الأشرف وكان معروفاً بالعلم والورع، دافع عن النجف دفاعاً مستميتاً ضد الغزاة وكانت داره مشجباً للاسلحة وثكنة للجنود والمتطوعين .

من آثاره «شرح قواعد العلامة الحلي» ، «غاية المأمول في علم الاصول» ، «أحكام الاموات».

لمزيد من التفاصيل اُنظر: روضات الجنات: 2 /200 .

ماضي النجف وحاضرها: 3 / 131. وأعيان الشيعة: 15 / 306 وغيرها .

[٤] معارف الرجال: 1 / 151 .

[٥] معارف الرجال: 1/ 151 . وماضي النجف وحاضرها: 3 / 137 .

[٦] ماضي النجف وحاضرها: 3 / 138 .

[٧] ماضي النجف وحاضرها: 3 / 138 .

[٨] الشيخ موسى الشيخ جعفر كاشف الغطاء (1180 ـ 1243 هـ) من مراجع التقليد فى النجف الاشرف ولد ونبغ وتوفي فيها،يعرف في العراق وايران بالمصلح بين الدولتين المسلمتين ايران وتركيا.

من مؤلفاته: «احكام الصلاة» و «بغية الطالب» و «كتاب اللقطة والغصب والقضاء».

لمزيد من التفاصيل اُنظر أعيان الشيعة: 49/ 42. ريحانة الادب: 5 / 26. الكنى والالقاب: 3 / 103 وغيرها .

[٩] ماضي النجف وحاضرها: 3 / 201 .

[١٠] معارف الرجال: 3 / 27. وماضى النجف وحاضرها: 3 / 201.

[١١] معارف الرجال: 3 / 26. وماضي النجف وحاضرها: 3 / 201 .

[١٢] معارف الرجال: 3 / 28 .

[١٣] الشيخ حسن الشيخ جعفر كاشف الغطاء (1180 ـ 1243 هـ) من مراجع التقليد في عصره . جند وعبأ وسلَّح النجفيين للذود عن حياض مدينتهم المقدسة ضد المعتدين .

من مؤلفاته: «أنوار الفقاهة» ، «شرح أصول كاشف الغطاء» ، «تكملة بغية الطالب».

لمزيد من التفاصيل اُنظر: الاعلام: 2/ 201. أعيان الشيعة: 21 / 133. معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام: 3 /1040 وغيرها .

[١٤] معارف الرجال: 1 / 213. وماضي النجف وحاضرها: 3 / 148 .

[١٥] ماضي النجف وحاضرها: 3 / 148 .

[١٦] اُنظر: ص 127 هامش 2 .

[١٧] السيد محمد باقر السيد أحمد القزويني المتوفى عام 1246 هـ من مجتهدي الحوزة العلمية في النجف الاشرف ، نظَّم أمور الناس في حارات النجف أيام اجتياح وباء الطاعون للمدينة . وهيأ ما يحتاجون اليه من اسعافات وعلاج وأقام أماكن عزل للمصابين وتولى تكفين وتجهيز ودفن حوالي أربعين ألفاً ممن ماتوا به وتولى كفالة أطفالهم وعيالهم . وحين أتم كل ذلك على أحسن وجه قدّر الله له أن يكون آخر من توفي بالطاعون.

له «جامع الرسائل في الفقه» ، «حواشي على كشف الامام» و«الوسيط في الطهارة» .

لمزيد من التفاصيل اُنظر: أعيان الشيعة: 13 / 132. الكنى والالقاب: 3/ 62. معارف الرجال: 1 / 123 وغيرها.

[١٨] معارف الرجال: 1 / 124 .

[١٩] معارف الرجال: 2 / 228. وماضي النجف وحاضرها: 1 / 197 .

[٢٠] لمحات اجتماعية من تأريخ العراق الحديث: 3 / 88 .

[٢١] معارف الرجال: 2 / 235 .

[٢٢] لمحات اجتماعية من تأريخ العراق الحديث: 3 / 9 .

[٢٣] الشيخ محمد ابن المولى مفضل علي الشربياني(1245 ـ 1322 هـ) من مراجع التقليد في النجف الأشرف عرف برعايته الخاصة للأرامل والأيتام والزوار والفضلاء، شيَّد مدرسة للطلاب وتوفى بلا دار ولا عقار وعليه دين جسيم .

من مؤلفاته: «حاشية فرائد الاصول» ، «حاشية المكاسب» وكتاب في أصول الفقه .

لمزيد من التفاصيل اُنظر: أحسن الوديعة: 1/ 176. أعيان الشيعة: 46/ 188. ماضي النجف وحاضرها: 3 / 554 وغيرها .

[٢٤] معارف الرجال: 2 / 373 .

[٢٥] لمزيد من التفاصيل اُنظر ص 47.

[٢٦] موسوعة العتبات المقدسة قسم النجف الاشرف: 1 / 251 .

[٢٧] مجلة الدليل العدد: 3 ، 4 وهو العدد الخاص بمناسبة وفاته (قدس سره) :135.