تاريخ

حكومة النبي (ص): ما هي أبرز ملامح تأسيس الدولة؟

الشيخ جعفر السبحاني 10-06-2019 298

إنّ وجود الدولة في الحياة البشرية ليس أمراً تقتضيه الحياة المعاصرة التي اشتدت فيها الحاجة إلى الحكومة، بل هي حاجة طبيعية ضرورية للإنسان الاجتماعي عبر القرون.

فإذاً الدولة حاجة طبيعية تقتضيها الفطرة الإنسانية بحيث يُعدّ الخارج على الدولة ونظامها وتدبيرها: إمّا متوحشاً ساقطاً، أو موجوداً يفوق الموجود الإنساني.

انّ استعراض ما قام به الباحثون والمفكّرون من تبيين ضرورة الحكومة في المجتمع الإنساني، وانّه لولاها لانهارت الحياة وانفصمت عقد الاجتماع وعادت الفوضى إلى المجتمع الإنساني، ممّا لا تسعه هذه الرسالة ولنتركها لمحلها. ولكن المهم لنا هو تبيين سيرة الرسول في تأسيس الحكومة الإسلامية بعدما استّتب له الأمر، وهو يعرب عن أنّ الحكومة تعد بنى تحتيّة لإجراء عامّة الأحكام الإسلامية، وانّه لولاها لتعطلت الأحكام، وتوقّف إجراء الحدود والتعزيرات، وبالتالي سادت الفوضى على الحياة، فلذلك نقتصر في المقام على بيان سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نزوله المدينة المنورة فنقول:

من تتبع سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   يقف على أنّه قام بتأسيس الدولة بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى، فقد مارس ما هو شأن الحاكم السياسي من تشكيل جيش منظم، وعقد معاهدات ومواثيق مع الطوائف الأُخرى، وتنظيم الشؤون الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية ممّا يتطلّبه أي مجتمع منظم ذو طابع قانوني، وصفة رسمية، وصيغة سياسية، واتخاذ مركز للقضاء وإدارة الأُمور وهو  المسجد، وتعيين مسؤوليات إدارية، وتوجيه رسائل إلى الملوك والأُمراء في الجزيرة العربية وخارجها، وتسيير الجيوش والسرايا وبذلك يكون الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)  أوّل مؤسس للدولة الإسلامية التي استمرت من بعده، واتسعت وتطورت وتبلورت، واتخذت صوراً أكثر تكاملاً في التشكيلات والمؤسسات وإن كانت الأُسس متكاملة في زمن المؤسس الأوّل (صلى الله عليه وآله وسلم).

ومن ملامح تأسيس حكومته قيامه بأُمور تعد من صميم العمل السياسي والنشاط الإداري الحكومي، نذكر من باب المثال لا الحصر:

1. انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عقد بين أصحابه وبين الطوائف والقبائل الأُخرى المتواجدة في المدينة كاليهود وغيرهم اتفاقية وميثاقاً يعتبر في الحقيقة أوّل دستور للحكومة الإسلامية.

2. انّه (صلى الله عليه وآله وسلم)   جهز الجيوش وبعث السرايا إلى مختلف المناطق في الجزيرة، وقاتل المشركين وغزاهم، وقاتل الروم، وقام بمناورات عسكرية لإرهاب الخصوم، وقد ذكر المؤرخون أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خاض أو قاد خلال 10 أعوام من حياته المدنية 85 حرباً بين غزوة وسريّة.

3. بعد ان استَّتب له الأمر في المدينة وما حولها وأمن جانب مكة وطرد اليهود لتآمرهم ضد الإسلام والمسلمين من المدينة وما حولها وقلع جذورهم، توجه باهتمام خاص إلى خارج الجزيرة، وإلى المناطق التي لم تصل إليها دعوته ودولته من مناطق الجزيرة، فراح يراسل الملوك والأُمراء ويدعوهم إلى الانضواء تحت راية الإسلام والدخول تحت ظل دولته والقبول بحكومته الإلهية.

4. انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث السفراء والمندوبين السياسيين إلى الملوك والزعماء وكان عملاً بديعاً من أعمال الدبلوماسية، وهذه الدبلوماسية الفطنة التي لجأ إليها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مخاطبة الملوك في عصره لم تذهب كلّها سدى.

5. انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نصب القضاة وعيّن الولاة، وأعطاهم برامج للإدارة والسياسة، فأوصاهم فيما أوصاهم بتعليم أحكام الإسلام ونشر الأخلاق والآداب التي جاء بها الإسلام، وتعليم القرآن الكريم، وجباية الضرائب الإسلامية كالزكاة وإنفاقها على الفقراء والمعوزين، وما شابه ذلك من المصالح العامة، وفصل الخصومات بين الناس، وحلّ مشاكلهم) والقضاء على الظلم والطغيان، وغير ذلك من المهام والصلاحيات والمسؤوليات الإدارية والاجتماعية.

6. انّ من قرأ سورة الأنفال والتوبة ومحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) يلاحظ كيف يرسم القرآن فيها الخطوط العريضة لسياسة الحكومة الإسلامية وبرامجها ووظائفها. فهي تشير إلى مقومات الحكومة الإسلامية المالية، وأُسس التعامل مع الجماعات غير الإسلامية، ومبادئ الجهاد والدفاع وبرامجها، وتعاليم في الوحدة الإسلامية التي تعتبر أقوى دعامة للحكومة الإسلامية، وكذا غيرها من السور والآيات القرآنية فهي مشحونة بالتعاليم والبرامج اللازمة للحكومة والدولة.

وهذا يكشف عن أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أوّل مؤسس للحكومة الإسلامية في المدينة المنورة بعد أن مهّد لها في مكة.

إنّ من سبر الأحكام الإسلامية من العبادات إلى المعاملات إلى الإيقاعات والسياسات،  يقف على أنّها بطبعها تقتضي إقامة حكومة عادلة واعية لإجراء كلّ ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وانّه لولاها لأصبحت تلك القوانين حبراً على ورق من دون أن تظهر في المجتمع آثارها، فانّ الإسلام ليس مجرّد أدعية خاوية أو طقوس ومراسيم فردية يقوم بها كلّ فرد في بيئته ومعبده، بل هو نظام سياسي ومالي وحقوقي واجتماعي واقتصادي واسع وشامل، وما ورد في هذه المجالات من قوانين أو أحكام،  تدلّ بصميم ذاتها على أنّ مشرّعها افترضَ وجودَ حاكم يقوم بتنفيذها ورعايتها، لأنّه ليس من المعقول سنّ  مثل هذه القوانين دون وجود قوة مجرية وسلطة تنفيذية تتعهد بإجرائها وتتولّى تطبيقها مع العلم بأنّ  سنّ  القوانين  وحده لا يكفي في تنظيم المجتمعات، وإلى هذا الدليل  يشير السيد المرتضى بقوله:

إنّه سبحانه وتعالى  يأمرنا بالاستجابة للّه وللرسول إذا دعا لما فيه حياتنا، يقول سبحانه: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا استَجيبُوا للّه وَلِلرَّسُولِ إِذا دعاكُمْ لِما يُحييكُمْ).[1]

وفسّرت الآية  بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كان الأمر والنهي كما تُوحي هذه الآيات مبدأ للحياة وجب أن يكون للناس إمام يقوم بأمرهم ونهيهم ويقيم فيهم الحدود، ويجاهد فيهم العدو، ويقسم الغنائم، ويفرض الفرائض ويحذِّرهم عمّا فيه مضارهم، ولهذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب بقاء الخلق فوجبا، وإلاّ سقطت الرغبة والرهبة ولم يرتدع أحد، ولف سد التدبير، أو كان ذلك سبباً لهلاك العباد.[2]


[1] الأنفال: 24

[2] المحكم والمتشابه، للسيد المرتضى: 50