فقهيات

التلقيح الصناعي... النشأة والحكم

الشيخ قيصر الربيعي 02-08-2018 2139

مقدمة
لا شكَّ في أنَّ التلقيح الصّناعي هو من المسائل الَّتي لم يكن للفقه الإسلاميِّ أيُّ رأيٍ فيها، باعتبارها مسألةً علميَّةً مستحدثة، وهو ما دفع الفقهاء إلى بحثها وبيان الرّأي فيها، ووضع الضَّوابط والحدود الشّرعيَّة لها. وسنلاحظ من خلال هذه المقالة ان الفقهاء بعدما درسوا هذا الموضوع توقَّفوا عند بعض التَّفاصيل والمقدِّمات، من قبيل كشف عورة المرأة أمام الطَّبيب، والاستمناء خارج إطار العلاقة الزَّوجيَّة واللمس الذي قد يرافق التلقيح والاهم من ذلك كله عندما نلاحظ ان هناك قسما من التلقيح الصناعي يتم من خلال تلقيح بويضة الزوجة بمني رجل اجنبي غير الزوج فهذا محذور شرعي.
وعليه نحتاج اولا ان نبين معنى التلقيح والتخصيب الصناعي وبيان صوره واقسامه وسنحاول التركيز على الاهم منها وما هو رأي الفقهاء مع ذكر الوجه في الجواز او المنع، وقبل كل ذلك سنشير الى نشأة التلقيح الصناعي .

النشأة... توهم
عملية التلقيح الصناعي خارج الجسم أو ما تعرف بعملية التلقيح الصناعي في المختبر (أطفال الأنابيب والحقن المجهري) هي العملية التي يتم فيها إخصاب البويضات من قبل خلايا الحيوانات المنوية خارج الرحم. وهي علاج رئيسي للعقم عندما تبوء جميع الوسائل الأخرى للتكنولوجيا المساعدة للتناسل بالفشل. وتنطوي العملية على التحكم في عملية التبويض هرمونيا، وسحب البويضات (البيض) من المبيض في المرأة وترك الحيوانات المنوية تقوم بالإخصاب في وسط سائل. ومن ثم يتم نقل البويضة المخصبة (البيضة الملقحة) إلى رحم المريضة او تبقى البويضة المخصبة في رحم صناعية حتى يكبر الجنين . وكان أول نجاح لميلاد طفل أنابيب، لطفلة تدعى لويز براون، وقع في عام 1978. (نقلا عن موسوعة ويكبيديا)
 وقد استغل المادّيون نجاح هذه التجربة في إثبات عقائدهم في نفي المعنويات، وأنّ العوامل الطبيعية ستشق طريقها ونجاحها إلى غاياتها من دون حاجة إلى إله يخلق الحياة ويباشر في نموها. لكنّ الملحد غفل عن أمر وهو أنّه لو كان هذا دليلاً على الإلحاد فقد دل عليه قبل أُلوف من السنين قضية بيضة الدجاج التي كانت تحتضنها تحت جناحيها فتفرخ.
والجواب عن كلا الأمرين أنّ ما يقوم به الأطباء والدجاجة يهيّئ الموضوع لإفاضة الحياة من العالم العلوي، ولا فرق بين الموردين، غاية الأمر أنّ بيضة الدجاجة قد لقّحها الديك بالصورة الطبيعية للتلقيح في جوف الدجاجة قبل أن تبيضها، وأمّا في هذا الإنجاز العلمي فإنّ تلقيح بويضة المرأة بحيمن الرجل يتمّ خارج جسم المرأة في وسط صناعي ملائم يقوم فيه التلقيح، ويبدأ فيه النمو.( مسائل فقهية مهمّة في حياتنا المعاصرة للشيخ السبحاني ص79)
وعلى الفروض العلمية تكون النطفة والبيضة قابلاً للنمو والتكامل حسب سنن الله سبحانه وتعالى.
ما هي الغاية من هذا البحث؟
أنّ الغاية من دراسة التلقيح الصناعي هو لأجل:
بيان جواز نفس العمل وعدمه ، أي: معرفة الحكم التكليفي لنفس التلقيح الصناعي مع قطع النظر عن طرو أي عنوان آخر. 
هل الولد يلحق بصاحبي المني والبويضة من حيث النسب او لا؟
معرفة ما يترتّب على الولد من الأحكام الشرعية كالإرث والمحرمية بين الولد الذكر وبين صاحبة البويضة، وكذلك بين البنت وصاحب النطفة . 
صور التلقيح الصناعي
هناك عدة صور للتلقيح الصناعي نذكر منها ثلاث صور:
الاولى: ان يتم التلقيح بين زوجة وأجنبي، كما إذا كان الزوج عقيماً فاقداً للحيامن المولّدة، أو كانت ضعيفة لا تولّد، ولكن الزوجة على استعداد للتوليد، فعندئذ يتحقّق أمر التلقيح بحيمن من رجل أجنبي وبويضة الزوجة. فإذا اكتملت عملية التلقيح يوضع في رحم نفس المرأة ويتولد منهما الولد، فيقع الكلام في مقامين:
الاول: جواز هذا العمل في نفسه، قال سماحة السيد السيستاني دام ظله مسألة 65 من كتاب المنهاج الصالحين/ مستحدثات المسائل: (لا يجوز تلقيح المرأة بمنيّ غير الزوج، سواء أكانت ذات زوج أم لا ورضي الزوج والزوجة بذلك أم لا، كان التلقيح بواسطة الزوج أم غيره).
إذ كيف يجوز في الشريعة الإسلامية أن يكون رحم الزوجة منزلاً لمني رجل أجنبي؟!
الثاني: حكم النسب، قال سماحة السيد السيستاني دام ظله مسألة 66 من الكتاب نفسه: (لو تمَّ تلقيح المرأة بمنّي غير الزوج فحملت منه ثم ولدت، فإن حدث ذلك اشتباهاً ــ كما لو أُريد تلقيحها بمنّي زوجها فاشتبه بغيره ــ فلا إشكال في انتسابه إلى صاحب المنّي، فإنّه نظير الوطء بشبهة.
وأمّا إن حدث ذلك مع العلم والعمد فلا يبعد انتسابه إليه أيضاً وثبوت جميع أحكام الأبوة والبنوة بينهما حتى الإرث، لأنّ المستثنى من الإرث هو الولد عن زنى، وهذا ليس كذلك وإن كان العمل الموجب لحصول الحمل به محرّماً.
وهكذا الحال في انتسابه إلى أُمّه فإنّه ينتسب إليها حتى في الصورة الثانية ولا فرق بينه وبين سائر أولادها أصلاً...).
الثانية: يتمّ التلقيح بأخذ مني الرجل وبويضة المرأة والجمع بينهما في وعاء مختبري ثمّ تزرع البويضة الملقّحة في رحم الزوجة. وهذا هو الذي ظهر في العالم بأوّل طفلة أنبوب، ومن هنا اشتهرت تسمية مَن يتولّد بهذه الطريقة بأطفال الأنابيب.
وفي هذا الفرض، يقول سماحة السيد السيستاني دام ظله: فالظاهر أنّه ينتسب إلى صاحب الحويمن وصاحبة البويضة، ويثبت بينه وبينهما جميع أحكام النسب حتى الإرث، نعم لا يرث ممّن مات منهما قبل التلقيح.
نعم المشكلة تكمن في مقدمات هذا العمل المحرمة من كشف ما لا يجوز كشفه للمرأة واخراج المني للزوج ، ولا يخفى ان حاجة الزوجين إلى الانجاب لا تبلغ في الحالات الاعتيادية درجة الضرورة التي تباح لأجلها المحظورات المتقدمة ، ولكنها قد تبلغ هذه الدرجة في حالتين :
(الأولى) : ما إذا كان عدم الانجاب يؤدي إلى حالة من التوتر والقلق النفسي يجد صاحبها قدراً كبيراً من الحرج والمشقة في تحملها والصبر عليها ، وهذا قد يحدث للزوج وقد يحدث للزوجة وقد يحدث لكليهما .
(الثانية) : ما إذا كانت المرأة مصابة ببعض الامراض التي تنحصر طريقة العلاج منها بالإنجاب مع اضطرارها إلى العلاج ، او كان عدم الانجاب يؤدي إلى اصابتها ببعض تلك الامراض .
ففي هاتين الحالتين ترتفع الحرمة عما ذكر من المحرمات فتحلّ عملية التلقيح الصناعي.
 الصورة الثالثة: إذا أخذت نطفة الزوج والزوجة خارجاً، وتمّ التلقيح بينهما ثم تزرع النطفة الملقّحة في رحم امرأة اخرى فقد وقع الخلاف بين الفقهاء في انتساب الولد للمرأة التي حملت به او ينتسب لصاحبة البويضة؟
يظهر من بعض الفقهاء ان الام هي من حملت به وذلك لقوله تعالى :(الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ الْلاَّئِي وَلَدْنَهُمْ) المجادلة2.
والذي يظهر من المرحوم السيد الخوئي قُدّس سرّه: أنّ المرأة التي زُرع المني في رحمها أُمّ للولد شرعاً فإنّ الأُمّ هي المرأة التي تلد الولد.(صراط النجاة ج3 سؤال 815)
وردّ الفقهاء هذا الدليل بأنّ الآية الشريفة ناظرة إلى الأُمّهات التي حملن وولدن عن زواج شرعي، وهو منتف في المقام، ولا يمكن التمسك بإطلاق قوله تعالى (وَلَدْنَهُمْ) لأنه منصرف الى الصورة الشرعية أي: الزواج الشرعي.
وبعض الفقهاء ذهب الى ان الام هي صاحبة البويضة (الزوجة) تمسكا بقول النبي صلى الله عليه واله: ( الولد للفراش وللعاهر الحجر) (وسائل الشيعة ، باب 58،  من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 4).
والفراش ـ هنا ـ عنوان يطلق على الزوجيّة الشرعيّة بين المتناكحين، وهو الأصل في انتساب الولد، فإذا وقع الشكّ في انتساب الولد يُنسب الولد إلى الشخص الّذي يولد في فراشه، ويثبت النسب للولد المشكوك النسب بوساطة أماريّة الفراش.
لكن رُدّ هذا الدليل بأن الفراش مشروط بالمضاجعة مع الزوجة وليست مطلق العلقة الزوجية.
فالمسألة من المسائل الشائكة جدا من حيث الاطمئنان الى الدليل، ولذا احتاط بعض الفقهاء في هذا الحكم. قال سماحة السيد السيستاني دام ظله في مسألة 68 من مستحدثات المسائل:( لو نقلت بويضة المرأة الملقّحة بحويمن الرجل إلى رحم امرأة أُخرى فنشأ فيها وتولد ففي انتسابه إلى صاحبة البويضة أو إلى صاحبة الرحم إشكال فلا يترك مراعاة الاحتياط فيما يتعلق بذلك من أحكام الأمومة والبنوة، نعم لا يبعد ثبوت المحرمية بينه وبين صاحبة الرحم وإن لم يحكم بانتسابه إليها).
فالولد من محارم صاحبة الرحم، لكنه يحتاط دام ظله في احكام الامومة والبنوة من الارث والحضانة وغيرهما، فيمكن للمقلد الرجوع الى فقيه آخر مع مراعاة الاعلم فالأعلم.
فيمكن لصاحبة البويضة الرجوع الى فقيه اخر يرى انها الام الحقيقية، ومع عدمه يمكنها ان تقوم بإرضاع الولد رضاعا جامعا لشروط الرضاع الشرعي فتكون اما له بالرضاعة.