الإمام المهدي

هل الإمام المهدي موجود بيننا ولا نعرفه؟!

السيد نذير الحسني 23-05-2019 509

​من الأمور التي وقعت مورداً للنقاش والبحث على المستوى الشيعي الخاص، هي كيفية حياة الإمام (عج) هل يسكن المدن ويتعامل مع الناس ويعمل ويمشي في الأسواق وما شابه ذلك من أسئلة؟ أم هو موجود آخر له حياة خاصة تختلف عن الحياة التي نشهدها وإن كنا نجهل ماهيتها وكيفيتها؟

والتحقيق هنا: أن هذه المسألة ـ والله العالم ـ تبتني على مسألة أسبق منها وهي مسألة اختفاء الإمام، فهل نستفيد من الروايات الواردة في هذا المعنى على خفاء شخص الامام؟ أو يكون المستفاد منها خفاء عنوان الامام؟

وفرق واضح بين المطلبين، فقد يكون الامام موجوداً بين الناس ويتعامل معهم ويأخذ ويعطي، ولكن يجهل الناس كونه صاحب الزمان المدخر لتجديد الفرائض والسنن، وهذا مبني على خفاء عنوانه لإخفاء شخصه المستلزم لاختفائه عن الناس بجسمه ورسمه ولجوئه الى الكهوف والمغارات البعيدة، والتي ليست بمقدور الأشخاص الوصول اليها.

فاذا كان المستفاد من الروايات الواردة خفاء العنوان فلا يوجد مانع من حضور الامام بين الناس بأسماء وألقاب متغايرة من زمن الى زمن، بحيث يخفى على الناس أمره خصوصاً إذا غير موقع سكناه بين مدة واخرى مع أن أعمار الناس المتعارفة لا تسمح لهم بالتعرف عليه واذاعة سره بين الناس.

وأما إذا كان المستفاد من الروايات خفاء شخصه لا عنوانه فيكون ذلك مانعاً من حضوره بين الناس وتعاطيه الحياة الاجتماعية المتعارفة بين المجتمع وترتيب الآثار عليها، وقد وردت روايات تؤيد كلتا المسألتين.

أما روايات خفاء الشخص فهي:

1 ـ عن الريان بن الصلت قال سئل أبو الحسن الرضا (ع) عن القائم (ع) فقال: (لا يرى جسمه ولا يسمى باسمه[1]).

2 ـ عن الامام الصادق (ع) قال: (الخامس من ولد السابع يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته[2]).

3 ـ عن الامام الجواد (ع) قال: (وهو الذي يخفى على الناس ولادته ويغيب عنهم شخصه[3]).

4 ـ  وروى عبد العظيم بن عبد الله الحسني عن أبي جعفر الثاني عن آبائه عن أمير المؤمنين (ع) إن القائم منا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة فلذلك تخفى ولادته ويغيب شخصه.

وهناك أحاديث كثيرة وردت عن ائمة أهل البيت (ع) تشير الى ذلك وتؤيد نظرية خفاء شخص الامام[4].

أما ما جاء في خفاء العنوان فهو:

1 ـ عن محمد بن عثمان العمري قال سمعته يقول (والله ان صاحب هذا الامر ليحضر الموسم كل سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه[5])

2 ـ عن أبي جعفر (وأما شبهه من يوسف فإن اخوته يبايعونه ويخاطبونه وهم لا يعرفونه[6])

3 ـ عن الامام الصادق(ع) (ولكن الحجة يعرف الناس ولا يعرفونه كما كان يوسف يعرف الناس وهم له منكرون)

فالروايات واردة لتأييد كلا النظريتين، نظرية خفاء الشخص ونظرية خفاء العنوان، ولابد من الإشارة الى أن النظرية الأولى لا تعارض طرو الاستثناءات عليها لمصلحة من المصالح، ـ فقد يخرج المهدي ـ لمشاهدة شخص أو مقابلة أو قضاء حاجة من حوائج الدنيا لأصحابه فهذا لا يمنع نظرية خفاء الشخص لأن هذا الاستثناء لمصلحة معينة.

هذا وهناك مسألة أخرى أيضاً تبتني على مسالة خفاء العنوان أو خفاء الشخص وهي مسالة زواج الامام (عج) وعدم زواجه.

فاذا كانت مسألة خفاء العنوان هي الحاكمة على الروايات الواردة فلا مانع من زواج الامام وانجابه للذرية بشرط خفائه حتى على زوجته وأولاده ولا ضير في ذلك بأن ينتحل الامام اسماً آخر يسير فيه بين الناس ويتزوج منهم وتكون له ذرية .

وأما اذا كانت مسالة خفاء الشخص هي الحاكمة، فمن الواضح عدم حضوره بين الناس وعدم اختلاطه معهم باي شكل من أشكال الاختلاط.

وتبقى قضية اختيار احد الشقين وتحميله على الروايات قضية الشقين وتحميله على الروايات قضية اجتهادية تحتاج الى تجميع عدد كبير من القرائن لأي طرف يتم اختياره خصوصاً اذا علمنا أن الروايات الواردة في هذه المسألة تحتاج الى جهد جهيد لإثباتها سنداً ومتناً، أو اتباع أكبر عدد من القرائن في هذه الطائفة أو تلك.


[1] الكافي ج1 ص333.

[2] كمال الدين ص333.

[3] الاحتجاج ص249.

[4] أعلام الورى

[5] من لا يحضره الفقيه ج2 ص520

[6] دلائل الامامة ص532 .