عاشوراء والاربعين

ماذا تعلّمنا من الحسين (ع)؟

علي حسين عبيد 22-10-2018 217

يقول غاندي: (تعلمت من الحسين، كيف أكون مظلوما فأنتصر)، والنصر هنا غير محصور بالقتال أو الحرب، وإنما النصر يشمل شؤون الحياة كافة، فالمطلوب منا كمسلمين وعراقيين أن ننتصر على النواقص الكثيرة التي تشوب واقعنا، وجلّها يتعلق بطرائق التفكير، والقيم التي تضبط إيقاع النشاط المجتمعي، القضية الحسينية قامت على أساس ملء القيم التي تركت فراغا هائلا بين الفكر والسلوك، والمبادئ والتطبيق، وحين شعر الحسين عليه السلام أن هناك بونا واسعا بين الواقع والأفعال، بين ما يقوله القائد وبين ما يطبقه، اندلعت الثورة الحسينية هادفة إلى وضع حد للانحراف وإعادة الأمور إلى نصابها، ووضع الأقدام على الجادة الصواب.

هناك مبدأ يقول أن الشجرة التي لا تمتلك جذورا راسخة ومتينة لا يمكنها أن تصمد في وجه الريح، وسوف تتعرض للقلع في أول إعصار يستهدفها، ولا يُعفى الإنسان فردا كان أو أمة من هذا القانون، فإن لم يكن له جذورا مبدئية أخلاقية قيمية عالية، سوف يكون عرضة للهزيمة والزوال، أما جذورنا فهي ثقافتنا، وقضيتنا الحسينية التي نستمد منها مبادئنا، والأمم الكبرى تلك التي تمتلك تاريخا عظيما، تتعلم من ماضيها ما يجعل حاضرها متقدما ونافرا.

وفي عودة إلى سجلات التاريخ الإسلامي سوف نعثر على كنزنا متمثلا بالقضية الحسينية، وها نحن اليوم نعيش ذكرى واقعة الطف، ولا شك أننا بحاجة ماسة الى استثمار هذه الواقعة بما تحمله من قيم انسانية كبيرة، يمكن - في حالة الالتزام بها وتطبيقها عمليا في حياتنا- أن تنقلنا من مجتمع يعاني مشكلات حياتية كثيرة، الى مجتمع منظّم يعرف ماذا يريد وماذا عليه أن يقدم وينشط ويجتهد، على أننا نتفق بأن عاشوراء تقدم لنا منظومة قيم عظيمة، تصب كلها في تعضيد الفعل الإنساني الذي ينسجم مع الفطرة البشرية، وفي حال أحسنّا التعلّم من مبادئ الفكر الحسيني واستطعنا تجديد القيم وإدامتها، كالصدق، ورفض الظلم، والإنصاف، مراعاة الحقوق، والتعايش، والتكافل، والأخلاق العالية، فإننا سنغدو من الأمم المتقدمة في حاضرها وماضيها ومستقبلها.

كيف نستثمر الزيارات المليونية؟

إن ما يحدث اليوم في مدينة كربلاء المقدسة، تظاهرة مليونية يحييها تنوع بشري عرقي وديني إنساني يصل سقف الملايين، وهذه المدينة الصغيرة بمساحتها والكبيرة بقلبها وإيمانها، تستوعب تلك الملايين الهائلة من الزائرين، تحتويهم وترعاهم وتكرمهم استنادا إلى ما وهبها الثائر العظيم الحسين عليه السلام من قيم عظمى، لذلك علينا التمسك بما تطرحه قيم الطف وأهدافها، من فرص لتطوير الحياة، وأن لا نسمح بحالة خلط الأوراق التي تحاول أن تعطي وجها آخر لهذه الواقعة، لاسيما عندما يحاول بعضهم تشويه القيم حين يتم حصرها في خانة ضيقة، ذلك أن الجوهر الإنساني لمبادئ الإمام الحسين عليه السلام، موجّه الى الإنسانية جمعاء، كونه يمثل رمزا ومثالا للكفاح الإنساني أجمع، لذا من باب أولى أن يجد المسلمون والعراقيون في القيم الحسينية ملاذا لهم وطريقا لتطوير حياتهم من خلال التركيز على تنظيم حياتهم، وتقليل الهدر، واعتماد النظافة، والتعاون المتبادَل واحترام النظام حتى في أدق الأمور، مثل استخدام الشوارع والحدائق والأرصفة، وضبط التعاملات المختلفة، ورعاية الجار، وإكرام الضيف، وحفظ حقوق الجار وصلة الرحم، وكل القيم التي تحفظ تماسك الناس وتقواهم وحياتهم.

بعضهم يرى في هذا السيل البشري الجارف للزوار، بأنه يشكل عبئا على المدينة، ولكن مثل هذا التفكير لن يكون سليما إذا ما عرفنا أن جميع بلدان ومدن العالم تتمنى وتسعى كي تزيد من زوّارها، في إطار السياحة الدينية أو سواها، الفوائد من ذلك كثيرة، تبدأ بالاقتصادية والثقافية والاجتماعية ولا تنتهي عند حدود معينة، أما في حال ظهور خرق هنا أو هناك، فهذا يستوجب تعاملا صحيحا من المجتمع نفسه، ولو أننا أقمنا مقارنة بين الفوائد ونقيضها لاكتشفنا أن مدينتنا تتميز عن سواها بكثرة زوّارها، والكل ينظر إلى هذه الميزة ويتحسّر عليها، لكن المطلوب أن نستثمر النتائج بصورة علمية صحيحة، وأن ندعم القيم التي تنتج عنها، كالتعاون، والنظافة، والسخاء، والصبر، والكرم، فضلا عن الفوائد العملية الجمّة.

وموضع الحسد من الآخرين، يتأتى من كثرة زوّار مدينة كربلاء المقدسة، فهذه ميزة وليست معضلة تعانيها المدينة، نحن بحاجة إلى تنظيم هذه الزيارة الأربعينية لا أكثر، خصوصا وأننا نعيش هذه الذكرى اليوم، فلابد أن نتعلم منها، ولا يمكن أن تمر بنا من دون الاستفادة من منظومة القيم التي تطرحها، لاسيما أننا نمر في منعطف سياسي اجتماعي اقتصادي حرج، ينطوي على تحولات هائلة في حياة المسلمين والعرب والعراقيين، لهذا نبقى بحاجة الى استثمار إنسانية مبادئ واقعة الطف، والتمسك بكل ما يمت بصلة الى الارتقاء بالمجتمع العراقي، والعمل بشكل منظّم على آلية التنظيم الجيد، وتعظيم القيم وتطويرها لدى الأفراد والعائلات والمجتمع برمّته.

الحسين صوت الحق والسلام

لذلك عندما نستذكر هذه الأيام وما جرى في واقعة الطف ونعيش نفحات القيم العاشورائية، لابد أن نتمسك بهذه القيم، لأن خلاصنا من مظاهر التردّي والتراجع، تكمن في تمسكنا بهذه القيم التي تشكل حصانة للجميع، سائلين ومسؤولين، ولاشك أننا جميعا ندرك بوضوح صوت الحق والسلام والرحمة الذي أطلقه الإمام الحسين عليه السلام، معلنا أنه لا يعبأ بالسلطة، وليس ساعيا إليها، لأنها لا تمثل هدفا، ولا تستحق أن تكون كذلك، لكن إعادة الأمور الى نصابها هو الهدف الأسمى، هذه هي الركيزة الاساسية التي تمثل اهداف القيم العاشورائية الرافضة للظلم جملة وتفصيلا، والداعية الى احترام حقوق الناس وحرياتهم، فضلا عن تحريمها بشكل قاطع للتبذير والإسراف وإهدار أموال الفقراء، وفق تخريجات تسمح للفاسد أن يجد سبيله الى سرقة ثروات وحقوق الشعب، فالقيم التي حملتها القضية الحسينية ترفض ما يقوم به بعض الساسة من هدر للثروات وتجاوز على الحقوق، لذلك ينبغي استثمار الفكر الحسيني لمحاربة الفاسدين وعدم السماح لهم بجعل القضية الحسينية غطاءً لأفعالهم المرفوضة جملة وتفصيلا.

لاسيما أن القيم الحسينية تطالبنا بأن نشيع ثقافة احترام الجميع للجميع، والمحافظة على حقوق الجميع، وحرمة أنفسهم وممتلكاتهم وحرياتهم، وحتى أفكارهم وآرائهم، وتدعونا الى الوقوف صفا واحدا متماسكا، لدرء المخاطر التي قد تستهدفنا، أيا كان مصدرها، فالأهم هو انسجامنا وتقاربنا ومعاضدة بعضنا بعضا، ثم نبذ التطرف والعنف، والعمل وفق قيم التكافل فيما بيننا، والتعاون والاحترام المتبادل، وحماية أموال الفقراء، وانتهاج مبدأ العدالة بين الجميع، فهذه هي القيم التي اراد لنا الامام الحسين عليه السلام أن نتمسك بها، لأنها طريقنا الى الحياة السليمة، وسبيلنا الى العدل والسلام والتقارب والتعايش مع بعضنا، ولعل الرسالة الأهم، هي أن السلطة والجاه يجب أن تخدم الناس، لا أن تُستخدَم ضدهم، وإذا استطعنا أن نتصدى لهذه المهمات بصلابة، فإننا نكون قد تعلّمنا من الحسين عليه السلام ما يجعل حاضرنا مضيئا متوازنا، ومستقبلنا مشرقا.


*نقلاً عن النبأ