مجتمع

صراع الهويات: ماذا قدمت لنا الهوية الدينية غير «العزلة»؟!!

السيد منير الخباز 07-10-2018 434

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)

 

انطلاقا من الآية المباركة نتحدث عن نقطة جوهرية هامة وهو موضوع الهوية، وذلك في أربعة محاور:

المحور الأول: تعريف الهوية ومكوناتها واتجاهاتها

المحور الثاني: الحاجة إلى الهوية

المحور الثالث: الصراع بين الهوية الدينية والهويات الأخرى

المحور الرابع: اهتمام القرآن الكريم بالهوية الدينية

الهوية ومكوناتها واتجاهاتها

عندما نرجع الى مجلة عالم المعرفة عدد 224 تنقل عن كتاب اصول في علم الاجتماع ان الهوية هي: السمات المشتركة بين جماعة معينة تكون موضع تميزهم عن غيرهم مثلا: ابناء العراق لهم سمات تميزهم عن غيرهم لهم عادات خاصة تقاليد خاصة وو... هذه السمات المشتركة بينهم التي تميزهم عن غيرهم تسمى هوية عراقية.

إذن السمات المشتركة بين جماعات تميزهم عن غيرهم تسمى هوية، والسؤال هنا: ما هي المكونات أو العناصر التي تتألف منها هوية الانسان؟

مكونات الهوية

هناك عناصر أربعة نتيجة لها تعددت الاتجاهات في الهوية وهي: الأرض، اللغة، التراث، الدين، فهذه العناصر الأربعة هي التي تتحكم في تحديد الهوية.

الأول: الأرض

فالأرض التي يولد فيها الانسان هي مسقط رأسه، أو الارض التي عاش عليها أباؤه وأجداده؛ هذه الأرض تحدد هوية الانسان، وعنها يخبر الانسان حينما يُسأل من أين انت؟ فيقول مثلا: أنا من العراق أو من الكويت أو من اليمن...

فالأرض مكون أساس من مكونات الهوية، ولذلك نجد الشعراء قد تباروا في مدح أرضهم التي عشوا عليها.

مكة وطن النبي (ص) وقد ولد فيها وعاش على ترابها قرابة أربعين سنة، فلما خرج منها بعد سنوات جاء جمع من مكة فالتقاهم النبي (ص) وقال لهم: كيف خلفتم مكة؟

قالوا يا رسول الله تركناها وقد نبت الاثمد - وهو نوع من الحشائش - في جنباتها فذرفت عيناه وقال لولا أن أهلها أخرجوني ما خرجت منها.

الثاني: اللغة

فاللغة تجمع أعراق وألوان مختلفة، كاللغة العربية تجمع مجتمعات وبقاع وألوان، فكل لغة هي مكون آخر من مكونات الهوية.

الثالث: التراث

فالعراقي يعتز بتراث بابل والمصري يعتز بتراث الفراعنة فرنسا تعتز بتراث معين... فالتراث الحضاري الذي له رسوخ على الارض هو مكون آخر من مكونات الهوية.

الرابع: الدين

فالدين أيضا يجمع أعراقا وألوانا ولغات... وهو يشكل هوية، يشكل مكونا أساسا من مكونات الهوية، لذلك القرآن الكريم أشار الى الهوية الدينية، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، أي هذه هويتكم الدينية.

اتجاهات الهوية

نتيجة الامور الأربعة - أعلاه - تولدت اتجاهات في الهوية كالاتجاه الوطني والاتجاه القومي والاتجاه الغربي والاتجاه الديني:

الاتجاه الوطني: يقول تربتك هويتك، أي الهوية للتربة التي ولدت فيها.

الاتجاه القومي: يقول الهوية للغة وللقوم والجماعة التي تنتمي إليها.

الاتجاه الغربي: يقول هويتك - سواء كنت مسلما أو غير مسلم - هي الحضارة الغربية الرأس مالية لأنها المهيمنة على العالم، وهي التي تنتج لك كل شيء، بل منها تأخذ كل مستلزمات حياتك من غذاء وحماية واقتصاد... إذن هويتك ليست وطنك الذي ولدت فيه، وليست لغتك وليس دينك، بل هويتك الحضارة الغربية التي تتفاعل معها أخذا وعطاءً.

هذه الهوية الغربية التي يطرحها الاعلام اليوم بكثافة، فحينما يُقال لك العالم أصبح قرية واحدة ماذا يعني ذلك؟ أي أصبح قرية رأس مالية والعالم انتمى اليها واتخذها هوية له.

الاتجاه الديني: يقول الهوية الحقيقية هي الهوية التي لا تميز بين الهوية الوطنية والقومية وهي التي جمعت كل الشعوب تحت عنوان واحد كما أشار القرآن الكريم، قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ..) .

عنوان واحد جمع كل هذه الملل اليهود والمسيح والاسلام... وهو الدين الابراهيمي، إذن الهوية الدينية جمعت كل الملل والشرائع تحت عنوان السماء؛ تحت عنوان الحنيفية.

المحور الثاني: الحاجة إلى الهوية

هل يستطيع الانسان الاستغناء عن الهوية؟ هل يستطيع أن يقول أنا لا اريد الانتماء الى أي هوية؟ بل أنا مستقل عن كل هوية مما ذكرتم.

بالرجوع الى علم النفس نجد الجواب عن هذا التساؤل إذ قالوا بأن هناك حاجات أساسية وأولية للإنسان، ومنها:

أ‌-        حاجة الانسان الى التعبير عن الذات، فالتعبير عن الذات والأفكار والقدرات.. حاجة أولية لدى كل انسان، لذلك لو لم يعط الأطفال فرصة التعبير عن الذات قد تصيبهم حالة من الانطواء لأن التعبير عن الذات يشبع حاجة أولية في شخصية الانسان.

ب‌-      حاجة الانسان الى التقدير الاجتماعي، كل انسان يقدم مجهودا يتوقع تقديرا اجتماعيا لمجهوده وعطائه، سواء كانت هذه الجهود مالية أو فكرية.. فبالنتيجة هو يحتاج الى تقدير اجتماعي لهذه الجهود وإلا فقد يصاب بالإحباط.

ت‌-      حاجة الانسان الى الانتماء، كل انسان يحتاج الى أن ينتمي الى أسرة ومجتمع ما والى مؤسسة ما.. لأن الانتماء يغذي الانسان الشعور بالعزة والحماية والفخر.

فالهوية تغذي كل هذه الحاجات الأولية الثلاث للإنسان، ومن هنا تتبين الحاجة الماسة للهوية، فلنفترض أن شخصا يقول: أني أنتمي إلى الحضارة الغربية لأنها تعطيني فرصة التعبير عن الذات فهي تغذي الحاجة الأولى عندي، أو لأنها تعطيني حاجة التقدير الاجتماعي، فاذا درست أترقى بدون تمييز ديني أو غيره، أو لأنها تغذيني بالشعور بالانتماء حين أنتمي اليها أشعر بالأمن... فبالنتيجة كل انسان يحتاج الى الهوية لأنها تغذي ثلاث حاجات في شخصيته.

المحور الثالث: الصراع بين الهوية الدينية والحضارة الغربية

من الملاحظ أن هناك صراعا بين الهويات؛ خصوصا عند المسلمين الذين يعيشون في الغرب، فهم يعيشون صراعا بين الهوية الدينية وبين الهوية الغربية، إذ يقولون: إذا تحفظنا على الهوية الدينية نشعر بالعزلة وبأننا غريبون في هذا المجتمع، وإذا تماشينا مع ثقافة الهوية الغربية ذابت الهوية الدينية بشكل تدريجي مع مرور الأيام، فكيف نعالج هذا الصراع بين الهويتين؟

ماذا قدمت لنا الهوية الدينية؟

بل قد يقول قائل من الذين يعيشون في الغرب: ماذا قدمت لي الهوية الدينية - من حاجات الانسان الأولية كما مر ذكرها - كي أتمسك بها؟ بينما الهوية الغربية حققت لي كل هذه الحاجات والمآرب؟

وللجواب على ذلك نقول: إن الصراع بين الهوية الدينية والهوية الغربية على ثلاثة مستويات:

 المستوى الأول: الفكري:

إن من أهم الركائز التي تشكل فارقا جوهريا بين الهويتين ثلاث ركائز:

الركيزة الأولى: الإنسان بين الأصالة والخلافة:

بمعنى هل الانسان أصيل في الوجود؟ أم هو وكيل؟

إن الهوية الغربية تقول: أن الإنسان هو الأصيل بل هو محور الكون، وعليه الانسان يستطيع إدارة الحياة بتشريع القوانين وعلى أساسها يدير الحياة لأنه بمقتضى التراكم المعرفي والثقافي سيمتلك الخبرات ادارية ثقافية تمكنه من ادارة الحياة في كل حقبة زمنية وكل مجتمع معين من دون الرجوع الى السماء.

بينما الهوية الدينية تقول: بأن الإنسان مجرد وكيل وليس أصيل، خليفة في الأرض وليس باستطاعته إدارة الحياة من دون الرجوع الى السماء، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ، وقال تعالى: (آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)  فالإنسان ليس أصيلا بل وكيلا، فإذا لم يكن أصيلا إذن مصدر ادارة الحياة السماء التي استخلفته وليس هو، نعم للإنسان مساحة يتحرك فيها بعقله في مستوى التطبيقات وتشخيص الموضوعات وكيفية تطبيق القوانين، فهذه المساحة متروكة لعقل الانسان، ولكن أصول التشريعات والقوانين التي تتكئ عليها ادارة الحياة من السماء لا من الانسان.

قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ، وقال تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) .

الى هنا بينا وجه المفارقة بين الهويتين، فالحضارة أو الهوية الغربية تقول: بأن الانسان هو المحور وهو المصدر وادارة الحياة له من دون الرجوع الى السماء، والهوية الدينية تقول: أن الادارة للسماء والانسان وكيل ليس إلا، لأنه لا يستطيع بعقله أن يفرز بدقة الجهات الدخيلة في المصالح العامة التي تكون دخيلة في بناء المجتمع في كل حضارة وعلى جميع المستويات، فالإنسان لا يستطيع تشخيص جميع الجهات الدخيلة في تكوين المصالح العامة وما يبتني عليها من تشريعات وقوانين.

إذن هناك خلاف أساسي في مساحة العقل في انتزاعه وتقنينه وتشريعه وتأسيسه للقوانين.

ومن جملة الأمور حقوق المرأة، فالهوية الغربية تقول لا فرق بين المرأة والرجل في كل شيء، بينما في الهوية الدينية توجد فوارق كثيرة كالشهادة والميراث وقوامة الأسرة... فالنتيجة: هنالك فروق جوهرية في تشريعات الهويتين، ونحن الى الآن لسنا بصدد المحاكمة بل بصدد بيان المفارقة فقط .

الركيزة الثانية: الحرية في إطار الحرية أم في إطار القيم؟

هناك فرق جوهري بين اطروحتي الحرية، فالهوية الغربية تقول: للإنسان حرية مطلقة ما لم تعارض حرية الآخرين، أي أن حرية الفرد في اطار الحفاظ على حرية الآخرين، أما الهوية الدينية تقول: إن الحرية في اطار القيم والمثل الانسانية، ولتوضيح ذلك نضرب بعض الأمثلة:

مثال: هل للإنسان أن يكذب كذبة حتى لو لم تضر أحداً أبدا؟

الهوية الدينية تقول: ليس لك الحرية بالكذب على حساب القيم الانسانية حتى لو لم يكن مضرا لأحد.

مثال ثاني: الأسرة في المجتمع الغربي ليست لها قداسة، فالهوية الغربية تعطي الحرية للفرد - البالغ عمره الثامنة عشر - أن يلغي جميع ارتباطاته بأسرته نهائيا وفي أي وقت شاء، وليس من حق الأبوين مطالبته، وهذا الغاء لقداسة الأسرة بعينه.

أما الهوية الدينية تقول: ليست لك الحرية على حساب الأسرة، فهنا الحرية محدودة، قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ)، فالحرية في الهوية الدينية لا تلغي قداسة الأسرة وأهميتها لأنها مصدر استقرار المجتمع، فالإنسان الموهوب والمبدع يحتاج الى استقرار نفسي والأسرة التي توفر له الاستقرار النفسي الذي يؤهله بأن يكون انسانا منتجا مبدعا موهوبا.

مثال ثالث: هل الانسان له الحرية حتى على حساب الاحسان الى الآخرين؟

فلو قال شخص: لا أريد أن أحسن الى أحد، أي لا أعطي شيئا بلا مقابل (مجانا) كأن يعطي من جهده أو من أمواله... لا أريد أن أمارس الاحسان، فهل يجبره أحد في المجتمع الغربي؟ فالهوية الغربية تقول: أنت مخير تحسن أم لا.

بينما الهوية الدينية تقول: من حقوق المجتمع عليك أن تحسن اليه، قال تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) ، وقال تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) ، فالمجتمع له حق عليك أن تقدم له بلا مقابل.

إذن الحرية - في نظر الهوية الدينية - في اطار القيم الإنسانية، فللإنسان الحرية ما لم تنسف قيمةً انسانية كقيمة الصدق وقيمة الأسرة وقيمة الاحسان الى المجتمع...

فالهوية الدينية عندما تقرر أن الحرية في اطار القيم والمثل الانسانية فلأنها تعتقد أن هذا الإطار هو الذي يحفظ التوازن بين المصالح الفردية والمصالح الاجتماعية.

خلافا للهوية الغربية التي تعطي الحرية للفرد ما لم تعارض حرية الآخرين، حتى وإنْ نسفت القيم والمثل الانسانية!

الركيزة الثالثة: أبعاد الإنسان:

إن الهوية الغربية تقول: بأن الإنسان ذو بعدين: جسدي ونفسي، وهذا ما قرروه عندهم في علم النفس والاجتماع.

فعلى ذلك إذا حصل الإنسان على الصحة الجسمية والصحة النفسية فلا يحتاج الى شيء آخر، فمادامت وسائل الحياة الكريمة موفرة له قادرا على الفاعلية والابداع يعيش صحة نفسية، إذن هو انسان قد حقق اهدافه في الحياة إذ أنه تقوم فيه البعدان الجسمي والنفسي.

وأما الهوية الدينية تقول: بأن الإنسان ذو ثلاثة أبعاد وهي: الجسم والنفس والروح.

والروح هي المحور، فالروح قد برأها الله في عالم الذر قبل هذا العالم، فالإنسان كان روحا في عالم الذر يسبح الله ويهلله قبل أن يأتي الى هذا العالم، والقرآن الكريم يشير الى ذلك العالم، قال تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)، أي أن الانسان خُلق مرتين، وإلا فما هي المرة التي خُلق الانسان فيها مفردا؟ ففي عالم الدنيا لم يكن خلق الانسان مفردا بل من أب وأم جمعا، فالآية تتحدث عن مجيء الانسان بعد الموت وتخاطبه بأنه قد جاء كما خُلق أول مرة خلقا فرديا، فما هي المرة التي خُلق فيها فُرَادَى؟ الجواب: عندما كان الانسان روحا في عالم الذر من دون أب وأم وعشيرة... روحا تسبح الله وتهلله.

وفي هذا العالم نسي الانسانُ عالمَ الذر كما نسي عالم الرحم، ووقت استرجاع معلومات عالم الذر هو: حينما يغمض عينيه بالموت فيلتفت ويسترجع ما قد نسي لأنه قد رجع الى العالم الذي جاء منه فيذكر كل ما جرى عليه فيه، قال تعالى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ).

فالإنسان كان روحا في عالم الذر ولما علقت البويضة الملقحة بجدار الرحم وبدأت تنمو، قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ، الروايات تحدد أن بعد مرور اثني عشر أسبوعا من تكون النطفة تنشأ العلاقة بينها وبين الروح، تبدأ الروح تبث شعاعها في هذا الجسم الذي تكون خلال اثني عشر اسبوعا، وهذه المرحلة التي يشير اليها القرآن الكريم بقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، فالنفس نشأت بعد تعلق الروح بالجسم، وهي عبارة عن أحاسيس ومشاعر وعواطف نشأت بعد تكون العلاقة بين الروح والجسم، فالإنسان له بُعد ثالث اسمه الروح، وهذا البعد له اسئلة ثلاثة فطرية وهي:

من أين جئتُ؟

والى أين أسير؟

والى أين سأنتهي؟

فالهوية الغربية لا تجيب عن هذه الأسئلة ولا توفر مسارا لتعبئة هذه الأسئلة الثلاث مع ما في الانسان من الحاح لمعرفتها.

أما الهوية الدينية فتجيب عن هذه الأسئلة بدقة واحكام وتوضح للإنسان المسار في جميع هذه المحطات، لأن هذه الأسئلة الثلاثة حاجة معرفية ملحة للبعد الثالث من الانسان وهو البعد الروحي، ولابد من الاجابة عن هذه المسائل ولابد من تهيئة المسار لها ولذا ورد: (رحم الله عبدا عرف من أين وفي أين والى أين) وهذه التي يعبر عنها القرآن بالبصيرة كما في قوله تعالى: (هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) ، فالهوية الدينية تعتبر الانسان ذا بصيرة، ثلاثي الأبعاد لا ثنائي كما في الهوية الغربية، وهذه هي الفروق الجوهرية بين الهويتين على المستوى الفكري.

المستوى الثاني: السلوكي

هناك فرق بين الهويتين على المستوى السلوكي ولتوضيح ذلك نضرب مثالين:

المثال الأول: مصافحة المرأة الأجنبية: هذا السلوك يجعل الانسان في صراع بين الهويتين، فالدين يقول: لا يجوز لك مصافحة المرأة الأجنبية إلا إذا كان في ترك المصافحة حرج شديد.

فلو أراد زميلُ امرأة مسلمة مصافحتَها - في الغرب - طرأ عليها الصراع السلوكي بين الهويتين، بين الاعتزاز بالهوية الدينية وبين الاندماج في الهوية السلوكية الغربية.

المثال الثاني: الاختلاط: انت في الجامعة ومعك زميلات وتحتاج الى فعالية مشتركة بينكم تجلس مع هذه الزميلة وتخرج معها وتكتب ابحاث معها وتأخذ وتعطي... وقد تقضي معها ساعات، قد لا يمنع الدين ذلك إذا كان هذا الاختلاط لا يثير الشهوة ولا الريبة ولا توجد نظرة محرمة، قد لا يمنع الدين إذا كان الاختلاط سليما، لكن بالنتيجة يوجد صراع بين هويتين؛ بين الاعتزاز بالهوية الدينية وبين الاندماج في الهوية السلوكية الغربية.

إذن كيف نتصرف في مواقف الصراع هذه؟ يؤكد الدين على الاعتزاز بالهوية الاسلامية، قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)، فالعزة من المبادئ التي أكد عليها الكتاب والسنة، فقد ورد عن الامام الصادق (عليه السلام): (إن الله فوض إلى المؤمن أمره كله ولم يفوض إليه أن يكون ذليلا).

المستوى الثالث: الشعار

من شعارات الهوية الدينية مثلاً لبس الحجاب، والامتناع عن دخول البارات فهذه شعارات اسلامية لازمة، وهناك شعارات اسلامية راجحة وان لم تكن لازمة كالدخول الى المسجد.

وهناك شعارات يعيش فيها الفرد المسلم صراعا بين هويته الدينية وبين الهوية الغربية مثلاً لبس القلادة والوشم ودفن الميت مع التابوت والصداقة مع الكلب كل هذه الشعارات غربية.

وهنا نقول بأن هناك فرقا بين الغاية والوسيلة، فلو اتخذ الفرد هذه الشعارات الغربية غاية وهدفا عاش صراعا بين الهويتين.

وأما لو كان قد اتخذها كوسيلة للاندماج في المجتمع الغربي الذي يعيش فيه؛ فيمكنه اتخاذ وسيلة أخرى تقوم مقامه وتحقق له هذا الاندماج، ممكن أن يتخذ هذه الأمور كوسيلة ولكن من دون أن تكون عاملا يذيب الهوية الاسلامية.

إذن اختيار الشعارات التي تذيب الهوية الدينية غير مقبولة، يرفضها الدين للحفاظ على هوية الفرد المسلم.

 المحور الرابع: اهتمام القرآن الكريم بالهوية الدينية

في القرآن الكريم عدة مداليل تركز على الهوية الدينية، ومنها:

 المدلول الأول: الاعتزاز بالهوية الدينية:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).

وقال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ).

 وقال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ).

اعتزاز بالهوية الدينية وتقديمها على وسائل الراحة عند الفرد المسلم.

المدلول الثاني: تجسيد الهوية الدينية في العلاقات الاجتماعية:

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) ، فلابد من تجسيد الهوية الدينية من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كنصح الزوجة بالحجاب ونصح الابن بالتعاليم الاسلامية ونصح الصديق. فالهوية الدينية تتجسد في حمل مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) .

 المدلول الثالث: التنشئة الأسرية:

لقد ركز القرآن الكرين على التنشئة الأسرية ومن مداليله على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ، فالأبوان عليهما مسؤولية كبيرة في تنشئة الأسرة المسلمة الواعية، ونتيجة اهمال هذا الجانب والغفلة عنه عواقبه وخيمة، كانحراف الابناء وسقوطهم في غياهب السلوك الغربي، فعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (لعن الله والدين حملا ولدهما على عقوقهما) .

فعدم الاهتمام بالتربية الدينية يعتبر حمل على العقوق لأن الأسرة مقدسة في الاسلام وقد اهتم بها وبحقوق كل من أفرادها على الآخر، خلافا للهوية الغربية.

قال النبي (صلى الله عليه واله) :  (لاعب ابنك سبعا ، وأدبه سبعا ، وصاحبه سبعا.) وسائل الشيعة ، باب 83 / أحكام الأولاد .

المدلول الرابع: الدعوة إلى الخير:

قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، إن دور المراكز الاسلامية في الدعوة الى الخير خطير جدا، حيث يقع على عاتق المقيمين عليها مهمة عظيمة، ومن أهم المهام التي لابد من الالتفات اليها مهمة التخطيط، إذ ينبغي على كل مركز - في جميع أنحاء العالم - أن يخطط ويعمل بما يتناسب مع الأمكنة التي هو فيها، فخطة المركز الذي في العراق - مثلا - تختلف عن خطة المركز الذي في الغرب، ولكل منهم وظيفته، إذ المركز الذي في الغرب عليه ألا يقتصر على المناسبات بين الحين والآخر فقط بل يضع برامج تجذب الشباب والأطفال و... مدروسة ليُشعروا الفرد المسلم بقيمة هويته وفاعليتها معه وهكذا يشعر كل منهم بأنه جزء من المركز، وبالتالي يصبح المركز داعيا الى الخير ومصداقا لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .

فنحن مسؤولون عن تربية أجيالنا على الاعتزاز بالدين على الاعتزاز بالمبادئ على غرس القيم والمبادئ الدينية في نفوسهم .

وهذه المسؤولية هي مسؤولية الأسرة والمراكز الدينية والخطباء. فتربية هذا الجيل على القيم المثلى عن طريق برامج مدروسة وجذابة، لا من خلال مناسبات نقيمها وينتهي مفعولها بانتهاء وقتها.


*تقرير: السيد هيثم الحيدري، مراجعة وتدقيق: الشيخ قيصر الربيعي