الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة

دور الشيعة في بناء الحضارة الاِسلامية

137 2015-12-31

 

 

إنّ الحضارةَ الاِسلامية ثمرةُ الجهود المتواصلة للاَُمّة الاِسلامية منذ انبثاق الدعوة المحمدية المباركة، فهم بشعوبهم المتنوعة وفي ظِلّ الاِيمان والعقيدة ذابوا في بوتقة الاِسلام، ووظَّفُوا كلّ قواهم وإمكانياتهم وركّزوا كلّ مساعيهم وجهودِهم لخدمة الاِسلام، وتحقيق أهدافه وأغراضه السامية، وبذلك أرسوا دعائم حضارةٍ لاتزال البشرية مدينة لها ومستفيدة منها.

ولقد كانَ للشيعة دورٌ مؤثرٌ في بِناءِ صرحِ الحضارةِ الاِسلاميّة الكبرى، ويكفي تصفّح الكتب المؤلَّفة في العلوم والحضارةِ الاِسلاميّة لنرى كيف تلمع فيها أسماءُ علماء الشيعة ومفكّريهم.

ففي مجال الآداب العربية والعلوم الاِنسانية يكفي أن نعرف أنّ الاِمام عليّاً أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ هو مؤسّسُها الاَوّل، وأن تلميذه أبا الاَسود الدؤلي هو الذي عمل على توسعتها وتدوينها. وقد واصَلَ علماء الشيعة بعد ذلك الجهود الحثيثة في سبيلها، وذلك نظراء المازني (المتوفّى 248 هـ) وابن السكيت (المتوفّى 244 هـ) وأبي إسحاق النحوي (من أصحاب الاِمام الكاظم) وخليل ابن أحمد الفراهيدي مؤلّف كتاب «العَين» (المتوفّى 170 هـ) وابن دريد مؤلف كتاب «الجمهرة» (المتوفّى 321 هـ) والصاحب بن عبّاد مؤلف كتاب «المحيط» (المتوفّى 386 هـ) وغيرهم من آلاف الاَُدباء الشيعة الذين كان كل واحد منهم قطباً من أقطاب اللغة، والنحو، والصرف، أو الشِّعر، وعلم العَروض في عصره.

وفي علم التَّفسير فالمرجع الاَوّل لتفسير القرآن بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو الاَمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأئمة أهل البيت: ومن بعدهم عبد الله بن عباس (المتوفّى 68 هـ) وغيرهم من تلامذة أهل البيت، وقد ألَّفَ علماءُ الشيعة طوال أربعة عشر قرناً مئات التفاسير المتنوِّعة حجماً وكيفاً ومنهجاً، وقد كتبنا مقالاً مفصّلاً حول تأليف الشيعة في مجال التفسير عبر التاريخ، نُشِرَ في مقّدمة الطبعة الجديدة لتفسير «التبيان» للشيخ الطوسيّ.

وفي علم الحديث تقدّمت الشيعة على غيرهم من الِفرَق الاِسلامية في تدوين السنة وكتابتها ودراستها على حين كان ذلك ممنوعاً في عصر الخلفاء.

ويمكن الاِشارة في هذا الصَّعيد إلى «عبيد الله بن أبي رافع» و «ربيعة بن سميع» و «عليّ بن أبي رافع» من أصحاب الاِمام علي ـ عليه السلام ـ ، ثم إلى أصحاب وتلامذة الاِمام السجّاد والباقر والصادق:.

 

إنّ تنامي علم الحديث في عصر الاِمام جعفر الصّادق ـ عليه السلام ـ بلغ إلى درجة أنّ الحسن بن علي الوشاء قال: رأيتُ في مسجد الكُوفة تسعمائة محدّث كلُّهُمْ يقولُ: حَدَّثنِي جعفرُ بنُ محمد ـ عليه السلام ـ [1].

 

وفي مجال الفقه تخرّج من مدرسة أهل البيت: علماء ومجتهدون كبارٌ نظراء: أبان بن تغلب (المتوفّى 141 هـ) وزرارة بن أعين (المتوفّى 150هـ) ومحمد بن مسلم (المتوفّى 210 هـ) ومئات المجتهدين الكبار والعلماء المحققين كالشيخ المفيد والسيد المرتضى، والشيخ الطوسيّ، وابن إدريس الحلّي والمحقّق الحلّي، والعلاّمة الحلّي الذين خلَّفوا آثاراً علميّة وفكريّة في غاية الاَهمية.

 

على أنّ جهودَ الشّيعة لم تتركّزْ على هذه العلوم حسب ولم تقتصر خدماتُهم على هذه المجالات بل خدَموا الاِسلام والعالم في غيرها من العلوم كالتاريخ والمغازي والرجال، والدراية، والشِّعر، والاَدب وغير ذلك ممّا لا يسع هذا المختصرُ لسَرد أسمائها.

هذا كلّه في مجال العلوم النَقْليّة، ولقد تقدَّموا على غيرهم من الطوائف والفِرق في العلوم العقليّة كعلم الكلام والفلسفة لاَنَّ الشيعة يمنحون العقلَ دوراً أكبر وأهمية أكثر ممّا يعطيه غيرُهم من الفِرَق الاِسلامية.

فهم بالاِستلهام من أحاديث الاِمام أمير المؤمنين وأبنائه المعصومين: سعوا أكثر من غيرهم في بيان وشرح العقائد الاِسلاميّة، وبهذا قدّمت الشيعة للاَُمّة الاِسلامية جيلاً عظيماً من المتكلّمين القديرين ومن الفلاسفة الكبار، ويُعَدُّ الكلام الشيعيُّ من أغنى وأثرى المدارس الكلامية الاِسلامية، وهو يحتوي ـ مضافاً إلى أدلةٍ من الكتاب والسنة ـ على براهين قوية من العقل.

 

إنّ أحد أُسُس الحَضارة الاِسلامية هو معرفة عالم الطبيعة وقوانينها وقد تخرَّجَ من مدرسة الاِمام جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ أشخاص معروفون مثل «جابر ابن حيان» برعوا في مجال العلوم الطبيعية إلى درجة أن جابراً دعي في هذا العصر بأبي الكيمياء الحديثة.

 

وفي علم الجغرافيا كان أحمدُ بن أبي يعقوب المعروف باليعقوبي (المتوفّى حوالي 290 هـ) أول عالم جغرافيّ ساحَ في البلاد الاِسلامية العريضة، وألّف كتاباً باسم «البلدان» وهو من علماء الشيعة.

 

إنّ هذه الجهود الكبرى التي بُذلت في سبيل العلم والثقافة وأبتدأت من القرن الهجري الاَوّل وحتى هذا اليوم، وأُسّسَت من أجلها الحوزات والمدارس، والجامعات والمعاهد العديدة تمت على أيدي علماء الشيعة، ورجالهم الذين لم يفتأوا لحظةً واحدة عن تقديم الخدمة للعالم البشري، وللحضارة الاِسلامية والاِنسانية.

 

وإنّ ماذُكِرَ هنا في هذه العجالة ليس إلاّ إشارة عابرة إلى دور الشيعة في مجال العِلم والحضارة الاِسلاميّة وللتوسّع ومزيد الاطلاع لابدَّ من مراجعة المصادر المرتبطة بهذا المجال[2].

 



[1] رجال النجاشي، الرقم 79.

[2] فهرست ابن النديم، رجال النجاشي، فهرست الشيخ الطوسي، تأسيس الشيعة لعلوم الاِسلام، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، أعيان الشيعة، والمجلد السادس من بحوث في الملل والنحل، وغيرها من الكتب.

 
التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك
شعبة تقنية المعلومات - العتبة الحسينة المقدسة
©masom.imamhussain.org2017