الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة

الأئمة الاثني عشر

تجريبي..

طلب الشفاعة في الدنيا

123 2015-12-29

 

 

إنّ الاعتقادَ بأصلِ الشَفاعة في يَوم القيامة (في إطار الاِذن الاِلَهيّ) من العقائِد الاِسلاميّة الضرورية ولم يخدش فيها أحدٌ.

يبقى أنْ نرى هل يجوز أن نطلب الشفاعةَ في هذه الدنيا من الشافعين المأذون لهم في الشفاعة يوم الحساب، كالنبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أملا؟

وبعبارةٍ أُخرى، هل يصحُ أن يقول الاِنسانُ: يا رسولَ الله يا وجيهاً عند الله إشفع لي عند الله؟

 

الجواب هو: أنّ هذا الموضوعَ كان محلَّ اتفاقٍ وإجماعٍ بين جميع المسلمين إلى القرن الثامن، ولم ينكرْه إلاّ أشخاصٌ معدودُون من منتصف القرنِ الثامن، حيث خالَفوا طلبَ الشفاعة من الشفعاء المأذون لهم، ولَم يجوّزوه في حين أنّ الآيات القرآنيّة والاَحاديث النبويّة المعتبرة، وسيرة المسلمين المستمرة تشهَدُ جميعُها بجوازه، وذلك لاَنَّ الشَفاعة هو دُعاؤهم للاَشخاص ومن الواضح أن طلبَ الدعاء من المؤمن العاديّ (فضلاً عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ) أمرٌ جائز ومستحسَن، بلا ريب.

ولقد رَوى ابنُ عباس عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ما يُستفاد منه بوضوحٍ بأنّ شفاعة المؤمن هو دعاؤه في حق الآخرين فقد قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ما مِن رَجُلٍ مُسْلِم يَموتُ فَيَقومُ على جَنازَتِهِ أربَعون رَجُلاً لا يُشركُونَ بالله شيئاً إلاّ شفَّعهُم اللهُ فِيه»[1].

ومِنَ البديهيّ والواضح أنّ شفاعة أربعين مؤمن عند الصلاة على الميّت ليس سوى دعاؤهم لذلك الميت.

ولو تَصَفَّحْنا التاريخَ الاِسلاميَّ لوَجَدنا أنّ الصَحابة كانوا يطلبون الشفاعة من النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

فها هو الترمذيّ يروي عن أنَس بن مالك أنّه قال: سألتُ النبيَّ أنْ يَشْفَعَ لي يومَ القِيامة فقال: أنا فاعل.

قلتُ: فأَينَ أطلبُك؟

فقالَ: عَلى الصّرِاطِ[2].

 

ومع الاَخذ بِنَظَر الاِعتبار أن حقيقة الاِستشفاع ليست سوى طلب الدعاءِ من الشَفيع، يمكنُ الاِشارةُ إلى نماذج مِن هذا الاَمر في القرآن الكريم نفسِه:

 

1. طلبَ أبناءُ يعقوب من أبيهِم أن يستغفرَ لهم، وقد وَعَدَهم بذلك ووفى بوعده، يقول تعالى: (قَالُواْ يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ * قَال سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي)[3].

 

2. يَقولُ القرآنُ الكريمُ: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً)[4].

 

3. يقولُ في شأن المنافقين: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِروُنَ)[5].

فإذا كانَ الاِعراضُ عن طَلَب الاِستغفار من النَبيّ ـ الذي يَتّحدِ في حقيقته مع الاِستشفاع ـ علامةَ النِفاق، والاِستكبار، فإنّ الاِتيان بهذا الطَلَب وممارسته يُعدّ بلاشكّ علامةُ الاِيمانِ.

وحيثُ إنّ مقصودَنا ـ هنا ـ هو إثبات جواز طلب الشفاعة، ومشروعيّتهِ، لذلك لا يَضرُّ موتُ الشفيعِ في هذه الآيات بالمقصود، حتى لو فُرض أنّ هذه الآيات وَرَدَت في شأنِ الاَحياء من الشُفَعاءِ لا الاَموات، لاَن طَلَبَ الشَفاعة مِنَ الاَحياء إذا لم يكن شركاً فإنّ من الطبيعي أن لا يكونَ طلبُها من الاَموات كذلك شركاً لاَنّ حياة الشَفيع وموته ليس ملاكاً للتوحيد والشرك أبداً، والاَمرُ الوحيدُ الذي هو ضروريٌ ومطلوبٌ عندَ الاِستشفاعِ بالاَرواح المقدَّسة هو قدرتُها على سماع نداءاتنا.

 

وهنا لابدّ أن نلتفتَ إلى نقطةٍ هامّة وهي أن استشفاعَ المؤمنين والموَحّدين من الاَنبياء والاَولياء الاِلَهيّين يختلفُ اختلافاً جَوهرياً عن استشفاع الوثنيّين من أصنامهم وأوثانهم.

فالفريقُ الاَوّل يطلبُ الشَّفاعةَ من أولياءِ الله، وهو مذعِنٌ بحقيقتين أساسيّتين:

 

1. إنَّ مقامَ الشفاعة مقامٌ خاصٌّ بالله، وحقٌ محضٌ له سبحانه كما قال: (قُل للهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً)[6]. أي قل: إنّ أمر الشَفاعة كلَّه بِيَدِ اللهِ ولا يحقّ لاَحدٍ أن يشفَعَ مِن دون إذنِهِ ولن تكونَ شفاعةٌ مؤثرةً بغيره.

2. إنّ الشُّفعاء الذين يَستشفِعُ بهم الموحِّدون عبادٌ صالحون مخلصُون لله سبحانه يستجيب الله دعاءَهم لِمكانَتِهِم عندهَ وَلِقُربِ مَنزِلَتهِم منه سبحانه.

 

وبهذين الشرطين يفترقُ الموحِّدُون عن الوثنييّن في مسألة الاستشفاع افتراقاً أساسياً.

 

أوّلاً : انّ المشركين لا يرون لنفوذ شفاعتهم وتأثيرها أيَّ قيد أو شرط، وكأنّ اللهَ فَوَّضَ أمرَ الشَفاعة إلى تلك الاَصنام العَمياء الصَمّاء. في حين أنّ الموحّدين يعتبرون الشفاعة كلّها حقاً مختصاً بالله، تبعاً لما جاء في القرآن الكريم، ويُقيِّدون قبولَ شفاعة الشافعين وتأثيرها بإذن الله ورضاه وإجازته.

 

ثانياً : إنّ مشركي عصر الرسالة كانوا يَعتبرون أوثانهم وأصنامَهم ومعبوداتهم المختلفة أرباباً وآلهةً، وكانوا يظنّونَ سفهاً أنّ لِهذهِ الموجودات الميّتة، والجمادات سَهْماً في الرّبوبيّة، والاَُلُوهيّة، بينما لا يرى الموحّدون، الاَنبياءَ والاَئمةَ إلاّ عباداً صالحين، وهم يردّدُون في صلواتهم وتحياتهم دائماً عبارة: «عَبْدُه ورسوله» و «عباد الله الصالحين».

 

فانظرْ إلى الفرق الشاسِعِ، والتفاوت الواسِع بين الرؤيتين والمنطِقَين.

 

بِناءً على هذا فإنّ الاستدلالَ بالآيات التي تَنفي وتندّدُ باستشفاعِ المشركين من الاَصنام، على نَفي أصل طلب الشفاعة في الاِسلام، إستدلالٌ مرفُوضٌ وباطلٌ وهو من باب القياس مع الفارق.

 



[1] صحيح مسلم: 3 | 54 .

[2] صحيح الترمذي: 4 | 42، باب ما جاء في شأن الصراط.

[3] يوسف | 97 ـ 98 .

[4] النساء | 64 .

[5] المنافقون | 5 .

[6] الزمر | 44 .

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك
شعبة تقنية المعلومات - العتبة الحسينة المقدسة
©masom.imamhussain.org2017